مرصد الأردن
هنا أكتب ما أريد، بعيدا عن قيود الإعلام التقليدي

التكنوقراط والوعي السياسي

أفضل الحكومات أداء في العالم هي تلك التي تجمع مزيجا متناسقا من الخبرة السياسية والتكنوقراطية بحيث تحقق تقدما مطردا في تنفيذ الخطط التنموية والإدارية مصحوبة بإدراك شامل للعوامل السياسية المتغيرة في كل لحظة. في مثل هذه الحكومات والتي عادة ما تكون نتاجا لعمل حزبي وبرلماني يساهم في اكتساب الخبرة السياسية يكون التكنوقراط في الحكومة أعضاء في أحزاب ويملكون وعيا إيديولوجيا وسياسيا ودستوريا ويكونون قادرين على توظيف معارفهم الفنية والتقنية في خدمة الهدف السياسي العام. مثل هذه الحكومات نجحت في الكثير من دول العالم الثالث سابقا والتي إنتقلت بسرعة وكفاءة نحو العالم الثاني ومنها تركيا وتشيلي وكوريا الجنوبية وإندونيسيا وجميعها تمكنت من تعزيز الثقافة السياسية للخبراء الفنيين في مجالات الاقتصاد والتنمية، وحتى في بعض دول إفريقيا التي تحقق نموا اقتصاديا يثير الإعجاب في السنوات الماضية فإن دور الوزراء التكنوقراط يبدو واضحا خاصة من يملكون البعد التنموي والسياسي.

في بعض الحكومات التي تلجأ إلى الوزراء التكنوقراط بدون خلفية من العمل السياسي أو الحزبي أو حتى التنموي الذي يكون على تماس مباشر بحياة الناس وهمومهم، تحدث ثغرة في العمل الإداري والسياسي تتمثل في غياب الرؤية السياسية المتزنة الكفيلة بضبط بعض القرارات والتصريحات المستعجلة والتي قد تكون قابلة للنقاش من ناحية تقنية ولكنها تعرض الحكومة لثمن سياسي كبير خاصة عندما تكون الحكومة غير منتخبة من المواطنين.

يحمل التكنوقراط الكفاءات العلمية والفنية والإدارية العالية، ويستطيعون في حال وجود فكر تنموي قريب من الرأي العام أن يحدثوا تغييرات منهجية في كفاءة الأداء العام ولكن البيروقراط يملكون أيضا القدرة على ضبط الإيقاع الحكومي بحيث يتم احترام المبادئ السياسية والإدارية والدستورية التي تحكم العمل الحكومي. في حال وجود التنسيق بين التكنوقراط والبيروقراط يمكن تحقيق نجاح مشترك وفي حال غياب اللغة المشتركة سيدفع أحد الفريقين، وبالتالي الحكومة كاملة ثمنا سياسيا باهظا لهذا الإخفاق في ترسيم حدود المسؤوليات.

في الظروف السياسية والاقتصادية الصعبة من الأسلم دائما أن يتصدى البيروقراط لقيادة خطاب إعلامي منسق من قبل الحكومة يكون مدعوما بحقائق رقمية، وخيارات فنية يتم إعدادها من قبل التكنوقراط. هذا التوزيع في الأدوار يقلل من فرص حدوث كلفة سياسية عالية نتيجة تصريحات غير مدروسة أو قرارات متسرعة من قبل التكنوقراط، أو تغييب البيروقراط عن الدور المهم في ضبط السياسات والقرارات دستوريا وسياسيا وخاصة تلك التي لا تحظى برضا شعبي، وهذا هو حال غالبية القرارات في الظروف الاقتصادية الصعبة.  

النجاح في إدارة الشركات والمؤسسات الخاصة والأكاديمية أمر هام ويعكس قدرة قيادية عالية ولكنها ليست بالضرورة مناسبة للإستنساخ في إدارة الوزارات، حيث العوامل السياسية والاجتماعية والإدارية والمالية تكون مختلفة تماما وبحاجة إلى فهم وتحليل صحيح قبل البدء باتخاذ القرارات الإستراتيجية الهامة أو إعطاء التصريحات الإعلامية.

المزيج السحري من التكنوقراط والبيروقراط ممكن الحدوث وهو قادر على تحقيق نجاح إداري كبير ولكنه يتطلب احترام الأدوار والخبرات ومعرفة الحدود المناطة بكل دور، وهي عملية تتضمن التعليم المستمر والتواضع والقدرة على الإستماع والإستيعاب والتفكير أكثر من الحديث والتصريح. وفي نهاية الأمر فإن المؤشر الاساسي للتقييم هو النجاح على أرض الواقع وثقة الرأي العام.

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني