واجهت السياسة الاقتصادية الإنفتاحية التي انتهجها الأردن رسميا منذ عقدين تقريبا الكثير من الانتقادات التي تمثلت في إعتبارها سياسة ليبرالية تركز على مفهوم السوق وتتجاهل الأبعاد الاجتماعية والتنموية والثقافية الخاصة بالأردن وتركيبته السكانية والاجتماعية وحتى الجغرافية. الكثير من أدوات النقد وجهت لهذه السياسة ولكن أغربها كان الإدعاء بأن أقطاب السياسة الاقتصادية من وزراء وخبراء وباحثين اقتصاديين وصناع قرار وكبار الموظفين بأجور عالية كانوا يمتلكون ناصية اللغة الإنجليزية ويتحدثون ويعملون بها وبالتالي هم "بعيدون عن نبض الشارع وحقيقة المجتمع" خاصة أن معظمهم من خريجي الجامعات الغربية. هذا النمط من النقد يبدو مضرا وغير صحيح ويعطي "صورة نمطية" خاطئة عن الإدارة الأردنية ويحاول تقديم تبرير للتقاعس عن بذل الجهد الإضافي من قبل بعض المسؤولين أو الموظفين أو الشخصيات السياسية والاقتصادية في إتقان اللغة الإنجليزية على اعتبار أن الأشخاص الأكثر وطنية هم أولئك الذين لا يتقنون اللغة الإنجليزية وبالتالي أكثر قربا من "نبض الشارع" وأكثر بعدا بالضرورة عن صناعة القرار. من الضروري الاعتراف بأن إتقان اللغة الإنجليزية قد أصبح أحد العوامل التي تساهم في إحداث طبقية اجتماعية ومهنية في الأردن ولكنه قطعا ليس مقياسا للوطنية والإنتماء كما يدعي البعض. خريجو الجامعات الغربية والمتقنين للغة الإنجليزية لديهم فرص في التوظيف والنمو المهني أعلى بكثير من خريجي الجامعات المحلية وخاصة الذين لم يدرسوا باللغة الإنجليزية أو يواجهون صعوبة في اتقانها. وفي نفس الوقت فإن اللغة الإنجليزية يجب أن لا تكون أداة تفاخر ولا استعلاء ولا مؤشرا على عقدة نقص بل هي أداة لا بد منها للبقاء والنجاح والتنافس في عصر المعلومات والإنفتاح العالمي. أعرف شخصيا الكثيرين من الشباب الذين تخرجوا من مدارس أردنية عامة ودرسوا في جامعات أردنية ويتقنون اللغة الإنجليزية إتقانا تاما لمتطلبات العمل وهكذا يجب أن يكون الشباب في الأردن قادرا على التكيف مع التحديات الجديدة. ولكن هناك إساءة استخدام أيضا من قبل بعض الفئات الأجتماعية المحظوظة بإتقان اللغة الإنجليزية حيث يتم استخدامها بمناسبة وبدون مناسبة في الأحاديث الاجتماعية العادية وفي المعاملات والإجراءات التي لا تستحق ذلك. الشعور بالتعالي يظهر أحيانا من خلال استخدام اللغة الإنجليزية بطريقة استعراضية من البعض في تواجد آخرين لا يتقنون هذه اللغة، وهذا ما يسبب أيضا موقفا سلبيا آخر من الفئات غير المتقنة للغة الإنجليزية يتندر من الناطقين بها ويعتبرهم "يرطنون" ويتفاخرون وأنهم مصابون بعقدة نقص تجاه الثقافة العربية. في الناحية الأخرى هناك جيل من الشباب بات يستخدم اللغة الإنجليزية تقريبا في كل مفرداته الحياتية بحيث أصبح التعبير لديه بمزيج من اللغة العربية واللغة الإنجليزية مما أصبح معروفا في هذه الأوساط بلغة "العربيزي" المشوهة التي تثير السخرية أكثر من الإعجاب والتقدير. الجيل الذي أنتمى إليه واجه صدمة اللغة الإنجليزية في الجامعات الأردنية. ربما كنت محظوظا بسبب دراستي في مدرسة خاصة واهتمامي بالقراءة بهذه اللغة ولكن كل ذلك يختلف عند استخدام اللغة العلمية والتقنية في الجامعة، ومع ذلك لم يكن البعض يسمح بهذه العوامل أن تمنع تقدمه ولا زلت أتذكر أصدقاء لي من قرى أردنية واجهوا كتبا علمية باللغة الإنجليزية في الجامعة وأمضوا وقتا طويلا في ترجمة المصطلحات ولكنهم حققوا نجاحا باهرا بفضل المثابرة. الآن تدرس إبنتي في الصف الرابع في مدرسة خاصة نفس المصطلحات التي تعرفت عليها للمرة الأولى في الجامعة وهذا يشكل تجاوزا مهما لحاجز اللغة العلمية. يعتمد الأردن بشكل اساسي على الإمكانات والموارد البشرية من أجل التنمية وهناك اهتمام تعليمي كبير بتحسين القدرات في تعلم واستخدام اللغة الإنجليزية والتي باتت لغة عالمية للثقافة والمعرفة الحديثة والأردنيون بشكل عام مهيأون لإتقانها، ويكفي أن نستمع إلى الطريقة التي يكتب ويتحدث بها الأردنيون باللغة الإنجليزية مقارنة بمواطنين عرب آخرين أو من دول آسيا وأميركا اللاتينية وشرق أوروبا لإدراك وجود تميز يستدعي فقط بذل المزيد من الجهد. لقد حققت دول مثل الهند والباكستان وماليزيا وإندونيسيا نهضة علمية مهمة في مجال تكنولوجيا المعلومات وقامتا بتصدير عشرات الآلاف من الفنيين إلى العالم كما ساهم مئات الآلاف منهم في تطور دولهم بدون أن يخوضوا في جدل ثقافي هامشي حول اللغة والهوية حي تمكنوا من استخدام اللغة الإنجليزية كأداة للمعرفة والتنمية المهنية بدون نسيان هويتهم الثقافية الشرقية وهذه المعادلة قابلة للنجاح في الأردن ولا يجوز تعميم صفات مثل "ضعف الوطنية" لمن يتحدثون اللغة الإنجليزية.
السبت, 26 سبتمبر, 2009
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












