ليس بالضرورة أن يكون هذا صحيحا. الحالة التي وصفتها تنطبق على شخص مثلي تعتمد مهنته على التواصل الإعلامي والمعلوماتي ولكن هناك آلاف المهن التي لا تحتاج إلى مثل هذه الأدوات، ولا ننسى أيضا أن نسبة اختراق الإنترنت للمجتمع الأردني لم تتجاوز 25% وذلك بفضل الأسعار الباهظة بشكل غير مبرر للاتصال بالشبكة، وهذا يعني أن ثمة حدودا لقدرة الإنترنت على إعادة تشكيل هوياتنا وأنماط حياتنا. في الدول الصناعية والتي تتمتع بشبكات إنترنت قوية وأسعار منطقية تزداد بكثير أنماط الحياة الإلكترونية، بل أن نمطا متميزا من العمل بات يظهر وهو "العمل من البيت" وباستخدام الحاسوب والذي جعل ملايين الناس يطورون مهارات في العمل المنزلي تعتمد على الحاسوب والإنترنت مثل أعمال التصميم والإعلانات والإعلام والترجمة والتحرير والإنتاج المعرفي المختلفة إضافة إلى المضاربة والتجارة الإلكترونية التي لا تحتاج إلى مكاتب وأثاث وأجهزة ورواتب وإيجارات وضرائب. هذه الأنماط من العمل بدأت تغزو العالم العربي ولكننا لا نزال متمسكين بتقاليد العمل المكتبي وختم كرت الدوام ما بين الثامنة صباحا والثالثة أو الخامسة عصرا. في كل مرة نشأت فيها أنماط جديدة من التواصل الإلكتروني بدأ البعض بالترويج لنظرية النهاية. عندما ظهرت المواقع الإخبارية الإلكترونية بدأ البعض يتحدث عن نهاية الصحافة الورقية، وعندما ظهرت المدونات كانت النظرية أن المواطن سيصبح صحافيا ويختفي الإعلام التقليدي وعندما ظهر تويتر قيل أن التدوين قد انتهى وعندما انتشر الفيس بوك قيل بأن العلاقات الاجتماعية التقليدية سوف تنتهي لصالح المجتمعات والتنظيمات الإلكترونية، وأخيرا بدأ الحديث عن نهاية الكتاب مع ظهور التحميل والتنزيل للكتب الإلكترونية. كل هذا غير صحيح. بعض الوسائل الإعلامية استسلمت وتحولت إلى النسخ الإلكترونية مثل كريستيان ساينس مونيتور وكذلك مجلة المجلة السعودية والتي أوقفت الطباعة وتحولت إلى نسخة الكترونية هزيلة. ومع ذلك فإن السحر والشغف الذي يترافق مع العمل الصحافي المطبوع لن يتوقف وأن كان سوف يضطر إلى التكيف مع حقيقة أن نشر الأخبار بات متأخرا ولا بد من التركيز على التحليل والتحقيق الاستقصائي وتوضيح ما وراء الخبر للقارئ. بالنسبة للفئة المستهدفة من الناس والتي تقوم بممارسة فعل القراءة المهدد بالإنقراض فإنه لا يوجد بديل عن صحيفة وكتاب مطبوع. ذلك الشعور بالأنس والشغف ما بين القارئ والصحيفة والكتاب وطقوس القراءة مثل فنجان القهوة أو الدخان لمن ابتلتهم الدنيا بهذه الآفة والكرسي على مقهى أو على شرفة والقلم الذي يضع خطوطا تحت الجمل المهمة لا يمكن أن يستبدله جهاز حاسوب بشاشة مضيئة مؤذية للعينين ومعرضة لإنعكاس الضوء وخط صغير لا يكاد يقرأ وبطارية تجاهد للبقاء على قيد التوصيل بدون قابس كهرباء. مواقع الفيس بوك وتويتر لن تغني عن لقاء بين الأصدقاء وتواصل إنساني نحتاجه بشدة في الحياة، ولهذا سيبقى الإنسان مقاوما لكل محاولات تحويله إلى كائن إلكتروني مهما بلغ عدد النوافذ المفتوحة في حاسوبه. لن ينتهي الكتاب ولن تنتهي الصحيفة ولكن قد يؤدي عطل كهربائي وفيروس واحد إلى إنهاء قاعدة بيانات كاملة في ثوان، ولهذا ستبقى هناك حدود للإنتشار الإلكتروني يستخدمها الإنسان آلية دفاع عن هويته وخصائصه.
الخميس, 17 سبتمبر, 2009
أبدأ صباحي كل يوم بفتج جهاز الحاسوب وتنزيل رسائل البريد الإلكتروني، ومن ثم فتح مدونتي وصفحة الفيس بوك وصفحة التويتر، وتبقى كل هذه النوافذ مفتوحة وبعدها يمكن التفكير ببداية العمل التقليدي. هل أصبحت حياتنا معتمدة إلى درجة الإدمان على هذه الأدوات الحديثة وهل بدأنا في التحول نحو كائنات إلكترونية في فضاء تخيلي يزداد إتساعا كل يوم ويهضم مثل ثقب أسود الكثير من الأدوات التقليدية للتواصل الاجتماعي؟
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية













من لإمارات العربية المتحدة
الأخ العزيز والطيّب باتر وردم
أول أحب أن أهنئك بالعيد، وأرجو من الله أن يعيده عليك وعلى عائلتك واهلك وانتم جميعاً بكل خير وسعادة. مبارك عليكم العيد.
ثم أود أن أشكر لك عملك الدؤوب والإحترافي في صياغة المعلومة و نقل الخبر ... وأعتقد أنك تمثّل قفزة نوعية في التطوّر بالعمل الصحفي العربي، و أنا متابع جيّد للتطوّر فس كل من العمل الصحفي العربي والإنترنت في العالم العربي أيضاً
وكذلك ، أحب أن أشكرك على النوعيّة المتميزة التي تتسك بها كتاباتك و أعمالك ، وربما كان الرصد البيئي الذي تعمل عليه أهم عمل صحفي عربي على الإطلاق.
وقل إعملوا وسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون
ولك الشكر الجزيل ، وكل عام وأنت بألف الف خير