طوال عقود ساد نمط من النمو الاقتصادي في الأردن والدول النامية مفاده البحث عن النتائج السريعة لهذا النمو دون الأخذ بعين الإعتبار أية كلف اجتماعية وبيئية ناتجة عن هذا النمو العشوائي. ولكن في السنوات الأخيرة إتفق الخبراء البيئيون والاقتصاديون من أصحاب الوعي البيئي بأن تحقيق إنجاز وإلتزام في مجال الإدارة البيئية ومعالجة آثار التلوث لن يكون مجديا إقتصاديا إلا في حال كانت هناك دلائل مقنعة على أن كلفة المعالجة والحماية البيئية المسبقة هي اقل من الكلفة في حال تم تجاهل الآثار البيئية وتراكم التلوث. ولكن القناعة الأهم هي أن ممارسات الإدارة البيئية يمكن ايضا أن تحقق عائدا ماليا في حال تم الإستثمار فيها بحكمة. من الممكن الوصول إلى حالة يكون فيها الإستثمار في مجال الإدارة البيئية في القطاع الخاص عملا مربحا وفرصة للريادة والتطوير وليس عائقا أمام الإستثمار ولكن الوصول إلى هذه القناعة يتطلب تغيرا جذريا في أنماط التفكير التقليدية في التخطيط الاقتصادي والبيئي. وفي هذا السياق فإن أحد القواعد الاساسية في التحول نحو التخطيط الاقتصادي المستدام هو تحديد المبادرات المطلوبة في مجال إدارة وحماية البيئة وتحويلها إلى فرص للإستثمار. لقد تطورت أدوات الإستثمار والإبتكار البيئي في السنوات الماضية في محاولة لنقل قضية البيئة إلى قلب السياسات الاقتصادية. من أهم معالم هذا التطور دمج الإعتبارات والكلف البيئية في التخطيط والتدقيق الاقتصادي المعتمد على النفقات والمخصصات والمؤشرات الاقتصادية. إستخدام هذه الأدوات في الكثير من الدول المتقدمة والنامية على حد سواء ساهم في جعل البعد البيئي اساسيا في المؤشرات الاقتصادية لتقدير الخسائر والمكاسب البيئية وخاصة في مجال إستنزاف الموارد والتلوث. أحد أهم الادوات الجديدة المستخدمة في التخطيط البيئي الاتقصادي هي تقدير كلفة التدهور البيئي من خلال حسابها في الناتج المحلي الإجمالي GDP وكانت المحاولة الأولى لدراسة واستخدام أداة تقدير كلفة التدهور البيئي في العالم العربي ما قام به البنك الدولي بين الأعوام 2006-2008. يمكن تقدير الكلفة البيئية من خلال حساب التراجع في نوعية حياة الناس وتردي نوعية البيئة مثل التعرض للأمراض الناتجة عن تلوث البيئة وكلفة علاج هذه الأمراض جسديا وسنوات العمل والحياة التي تتم خسارتها بسبب الأمراض إضافة إلى خسارة قيمة الخدمات البيئية والموارد (التربة، المياه، الهواء، التنوع الحيوي) وخاصة غير المتجددة منها وكذلك خسارة الفرص والميزات البيئية مثل المعايير الجمالية للمناطق السياحية. في منهجية البنك الدولي المذكورة سابقا، يتم حساب كلفة التدهور البيئي من خلال نسبة التدهور من الناتج المحلي الإجمالي وذلك من أجل تقديم مؤشر واضح ومتعارف عليه اقتصاديا كما أن تكرار حساب هذه القيمة بشكل منهجي سنوي يمكن أن يساهم في توضيح "توجهات" Trends زمنية لقيمة الكلفة البيئية للسياسات والقرارات الاقتصادية. في حال كانت نسبة التدهور البيئي أكبر من النمو الاقتصادي فإن المؤشرات تكون قاطعة الدلالة على أن فقدان الموارد وتاثيرات التلوث باتت أكبر من النمو الاقتصادي في بلد ما. الدراسة الخاصة بالأردن أوضحت بأن القيمة المالية الكلية للتدهور البيئي تصل إلى 205 ملاييد دينار وهي تمثل 3.1% من الناتج المحلي الإجمالي بأرقام العام 2006 وهي نسبة لا تعتبر كبيرة جدا مقارنة ببعض الدول النامية التي تحولت إلى بؤر للتلوث ولكنها إشارة خطر تعزز ضرورة استخدام مناهج حديثة للتقييم البيئي لكافة السياسات والقرارات الاقتصادية والتنموية وهذا التوجه الذي بدأ من خلال منظومة من التشريعات الأساسية مثل نظام تقييم الأثر البيئي ونظام التفتيش والرقابة البيئية يساهم في اتخاذ القرارات الصحيحة في الوقت المناسب والتي تغني الأردن عن دفع ثمن التلوث من صحة المواطن وتدهور الأنظمة البيئية وبعد ذلك الحاجة إلى تخصيص موارد إضافية لتنظيف التلوث.
الخميس, 17 سبتمبر, 2009
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية













من الأردن
هل هناك رابط للتقرير؟