اثار قرار الحكومة الأخير بتمديد امتياز مصفاة البترول الأردنية لمدة 15 عاما إضافية، والدخول في شراكة إستراتيجية-غير محددة التفاصيل حتى الآن- مع إئتلاف إستثماري بإسم إنفرا مينا مكون من عدة شركات ومسجلة "أوف شور" في جيرسي الكثير من النقاشات. معظم ردود الفعل انتقدت القرار، خاصة أنه يتناقض مع سياسة تحرير قطاع الطاقة التي أعلنتها الحكومة ويتناقض أيضا مع القرار المعلن منذ سنوات بإنهاء حصرية المصفاة وإنشاء أربع شركات جديدة لتحمل مسؤولية الاستيراد والنقل والتخزين والتوزيع وفتح المجال أمام الإستيراد العالمي عبر القطاع الخاص. مبررات الحكومة في قرار تمديد امتياز المصفاة اعتمدت على عدم وجود رغبة وقناعة لدى المستثمرين-الشركاء الإستراتيجيين- في المغامرة في هذا القطاع بدون وجود ضمانات الإمتياز، خاصة مع تقادم المرافق والتكنولوجيا في المصفاة والتي تعني الحاجة إلى استثمار بحوالي 2 مليار دينار لتحسين البنية التحتية والإدارة والتكنولوجيا وهذا ما يؤدي إلى خسائر فورية في حال كان المجال مفتوحا أمام شركات أخرى للمنافسة. هذه المبررات ترافقت ايضا مع استخدام قيمة مهمة في الاقتصاد الوطني وهي "الهوية الوطنية" لمصفاة البترول وحقوق العاملين فيها وأهمية تحقيق أمن الطاقة من خلال بقاء دور الدولة في قمة هرم معادلة استيراد وإدارة المشتقات النفطية، وهذه قيمة لا نختلف عليها أبدا ونتمنى لو أنها بقيت نبراسا في العديد من مشاريع التخاصية الأخرى. قبل ثلاث سنوات تقريبا قدم مستشار أردني في وزارة الطاقة تقريرا عميق التحليل طالب فيه بإعادة النظر بقرار إنهاء الإمتياز وأوصى بالحفاظ على امتياز المصفاة لمدة 15 عاما قادمة ولكن كان من المفارقات أن مكافأة المستشار على هذا الموقف تمثلت في توجيه إنذار له وتهميشه من عملية صناعة القرار في الوزارة ومن ثم خروجه منها. ولكن القرار الأخير يعتمد بشكل كبير على التحليل الذي قدمه المستشار. موقف مستشار وزارة الطاقة كان مبنيا على إعتبارات اجتماعية مهمة وخاصة مستقبل 4 آلاف عامل في المصفاة و30 ألف مساهم إضافة إلى أمن المستهلكين. ولكن التخوف الأكبر الذي طرحه المستشار يتمثل في قدرة شركات النفط العالمية على إغراق السوق الأردني بالمنتجات النفطية والسيطرة على هذه السوق والتحكم بها في حال تم منح المجال لها للاستيراد. يبدو قرار تمديد الإمتياز مصيبا من ناحية اقتصادية اجتماعية ولكن من المهم التأكيد على حسن اختيار الشريك الإستراتيجي لأن مصفاة البترول بحاجة ماسة إلى نقل وتوطين أفضل أنواع التكنولوجيا ولا بد من إدخال شركة ذات خبرة وقدرة تكنولوجية عالية وخاصة في مجال تحسين نوعية المنتجات والالتزام بالمعايير البيئية. أحد أهم أهداف توسعة المصفاة هو التخفيض الكبير لنسبة الكبريت في الديزل والتي تعتبر من أعلى النسب عالميا ومصدرا كبيرا للتلوث الهوائي سواء في منطقة الهاشمية أو في نهاية خط الاستهلاك في قطاع النقل في كافة مناطق المملكة. النقطة الأكثر أهمية في استراتيجية إدارة قطاع الطاقة تتمثل في آلية التسعير ووجود بعد اجتماعي واضح، وهنا لا بد من إجراء دراسة مستقلة لمقارنة الأسعار المحتملة للمشتقات النفطية في السنوات القادمة ضمن سيناريو تمديد الإمتياز أو فتح المجال لتعدد الإستيراد لتكون مصدرا رئيسيا لاتخاذ القرار الصحيح. قد يحكم التاريخ على قرار تمديد إمتياز المصفاة بكونه قرارا سليما في نهاية الأمر في حال تم ضمان جودة المشتقات ومواصفاتها العالية، واستخدام أفضل أنواع التكنولوجيا وهذا ما يتطلب إختيار الشريك الإستراتيجي الأفضل تقنيا وأخيرا تحقيق الحد المطلوب من الأمن الاستهلاكي لقطاع الطاقة من خلال أسعار عادلة تساهم في دفع مسيرة الاقتصاد الوطني ولا تعرض المستهلكين لأعباء كبيرة.
السبت, 12 سبتمبر, 2009
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












