مرصد الأردن
هنا أكتب ما أريد، بعيدا عن قيود الإعلام التقليدي

التطبيع العلمي مع إسرائيل

في الأسابيع الماضية نشرت عدة وسائل إعلام محلية وعالمية أخبارا حول وجود مشاريع لما يسمى "التعاون العلمي" بين الأردن وإسرائيل وأحيانا بوجود السلطة الفلسطينية ضمن منظومة من مبادرات التعاون الإقليمي في قطاعات عديدة بعضها بحثي وبعضها الآخر استثماري. ومن أهم المشاريع التي تم الإعلان عنها دراسات مشتركة لبيئة البحر الأحمر وتحلية المياه وكذلك مشروع للقطاع الخاص لإنتاج الوقود الحيوي بدعم تقني ألماني. هذه المشاريع وغيرها تفتح مرة أخرى ملف التطبيع العلمي مع إسرائيل والجدوى العلمية والاقتصادية لهذه المشاريع وهل يعتبر التنسيق مع إسرائيل شرطا لها بالإضافة إلى كلفتها السياسية.

مواقف الناس والمؤسسات من العلاقة مع إسرائيل تتباين. المؤسسات الرسمية والوزارات مثلا مضطرة لوضع "الاتصال" مع إسرائيل على جدول أعمالها نتيجة وجود اتفاقية سلام، كما أن هنالك قطاعات مثل المياه والزراعة والسياحة والبيئة والصحة ذات طبيعة إقليمية عابرة للحدود ولا بد من وجود وسائل اتصال مع الطرف الإسرائيلي على الأقل من أجل مواجهة مشاكل حالية أو مرتقبة. القطاع الأكاديمي بقي مترددا إزاء التطبيع واقتصر الاتصال مع الإسرائيليين على مشاريع بحثية محدودة ذات طبيعة إقليمية ودولية أكثر منها ثنائية. أما في المجتمع المدني فإن الاتصال يبدو شبه معدوم ويقتصر أيضا على التواجد المشترك في نشاطات ذات طبيعة دولية.

في القطاع الخاص تختلف الحالة ويبقى الخيار متروكا للناس في رغبتهم بإنشاء علاقات تجارية واقتصادية مع أطراف إسرائيلية، وفي نفس الوقت الذي لا تجبر فيه الدولة أيا من المواطنين على التطبيع فإنها لا تملك القدرة على منعه إذا لم يشكل تهديدا للأمن الوطني. بداية التطبيع في القطاع الخاص جاءت من خلال المناطق الصناعية المؤهلة وبعض المشاريع التجارية التي حاولت استخدام السوق الأردني لتصدير المنتجات الإسرائيلية، ولكن ما يحدث حاليا هو جيل جديد من التعاون الذي يحاول إستثمار التكنولوجيا الحديثة لمواجهة بعض المشاكل المشتركة والبحث عن حلول مجدية اقتصاديا في مجالات الزراعة والمياه والبيئة والصحة والطاقة.

العديد من الدول ذات الخلافات السياسية والحدودية في العالم تستخدم منهجية التعاون العلمي والتكنولوجي والبيئي لتسوية بعض الخلافات أو على الأقل الإبقاء على قنوات اتصال على الصعيد العلمي للاستفادة من القدرات المتوفرة في هذه البلاد لعلها تتكامل بدلا من التناقض، ولكن في الحالة العربية الإسرائيلية تختلف الصورة لأن هناك ثقلا سياسيا وجغرافيا والأهم من ذلك دينيا وأرث طويل من الدمار وحاضر مؤلم من المعاناة التي يعيشها الشعب الفلسطيني تجعل حدوث هذا التعاون العلمي صعبا جدا ولا يحقق الفائدة المرجوة منه.

مقدار الأذى السياسي والاقتصادي والإنساني والبيئي الذي تسبب به الاحتلال الإسرائيلي ولا يزال يجعل التطبيع خيارا مرفوضا ومقتصرا على نشاطات محدودة من الصعب أن تتكامل معا لتشكل منظومة من التعاون الإقليمي بالرغم من رغبة وسائل الإعلام الدولية في إظهار هذه المبادرات وكأنها تخدم هدف السلام. وفي الوقت الذي يتجنب فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي الاستحقاقات الخاصة بالحل النهائي ويواصل سياسة الاستيطان تحاول الحكومة الإسرائيلية الترويج لمبادرات "التعاون العلمي والاقتصادي" كنموذج لإمكانية السلام في المنطقة ولكن الواقع يقول أنه بدون إنشاء دولة فلسطينية مستقلة وإستعادة الشعب الفلسطيني لحقوقه وإنهاء معاناته الإنسانية والسياسية والاقتصادية لا توجد إمكانية لقبول أو استدامة أية مبادرات للتعاون العلمي مع إسرائيل حتى لو كانت المنهجية المتبعة تخدم بعض الأهداف التنموية، لأن الكلفة السياسية تبقى عالية جدا وغير مبررة.

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني