الأسبوعان الماضيان كانيا مليئين بالقلق. في الوقت الذي تنشغل فيه صالونات عمان بإشاعات تغيير الحكومة، وفي الوقت الذي تلهب فيه نار الأسعار المواطنين في شهر رمضان الكريم يحدث ما هو أخطر بكثير وهو الخلافات الاجتماعية المسلحة والاستقواء على الدولة في الكثير من المناطق في الأردن. لقد بذل الأمن العام وقوات الدرك جهودا كبيرة لتطويق المواجهات العنيفة وأحيانا المسلحة في الشمال والجنوب بين عشائر متجاورة نتيجة خلافات اجتماعية أدت إلى جرائم قتل. أن الجهد المبذول في تطويق ومحاصرة هذه الخلافات قد يكون أصعب بكثير من مطاردة زمر إرهابية وعصابات دولية لأن الهدف يقتضي حفظ الأمن والنظام والممتلكات بدون التحول إلى طرف في المواجهات ومحاولة احتواء مئات وربما آلاف المواطنين الغاضبين ومنهم المسلحين. لا أحد يحسد الأمن والدرك على هذه المهمة ولكنها مطلوبة وواجبة لأن هناك أمنا يجب الحفاظ عليه وقانونا يجب أن ينفذ. يعاني الأمن العام أيضا من تزايد مشكلة احتماء المطلوبين الأمنيين بعشائرهم، وفي الجفر ثارت مشكلة كبيرة بسبب قيام الأمن بالتنفيذ القضائي لاعتقال مطلوب بحوالي 26 جريمة حسب تصريح الأمن العام، وهذا يعطي إشارة بأن أصحاب السوابق يقومون باستخدام قوتهم العشائرية للهروب من القانون وأنه لا توجد مشكلة لدى البعض في توفير الحماية للمطلوب الأمني ضد الدولة. في مناطق أخرى يجد الأمن العام فيها صعوبة تنفيذ القانون وهذا يصل ايضا إلى مستوى الرقابة على ضخ المياه وفواتير الكهرباء حيث يتعرض موظفي الدولة إلى العنف وإطلاق النار من بعض المواطنين. نعم قد تكون هناك فجوة ثقة بين المواطنين والدولة في السياسة الاقتصادية وتقديم الخدمات ولكن ذلك لا يبرر التعدي على الدولة ولا العودة إلى الأساليب التقليدية في حل قضايا الجرائم وأهمها الحشد العشائري للقصاص من القاتل والذي يعني مواجهات تمتد آثارها إلى مئات وآلاف الابرياء ممن لا توجد لهم علاقة بالقضية الاساسية سبب النزاع. هناك حاجة إلى فهم أسباب النزوع إلى العنف لحل القضايا الاجتماعية دون الإنتظار لعدالة القانون، وهناك حاجة إلى فهم أسباب الإعتداء على سلطة الدولة في بعض المناطق وهذا يتطلب دراسات ومسوحات اجتماعية بعضها تم إعداده وبعضها الآخر يحتاج إلى شجاعة في البحث ولكن هذا الفهم لا يعني أبدا تبرير هذه التصرفات والقول بأنها "نتيجة طبيعية" لضعف أداء الدولة اقتصاديا وخدماتيا. لا يمكن أن يكون العنف الاجتماعي "طبيعيا" أبدا وفي حال تم الترويج لهذا المفهوم نساهم في إضعاف سلطة الدولة فورا وتسهيل حلول السلطات المحلية المسلحة مكانها. بالطبع لا بد من تقوية أدوات فض الاشتباكات محليا وخاصة وجهاء المجتمع، ولكن هذا الدور بدأ يتراجع ايضا وحتى في حال وجوده فإن بطئ الحركة ولا يحقق نجاحا إلا بعد مرور وقت وحدوث الكثير من التجاوزات والاخطاء التي تستلزم تدخلات أخرى لحلها وقد تترك الرماد مشتعلا لمواجهة أخرى في المستقبل. إدراكنا لحقيقة التباين في التنمية، وبعض اشكال الظلم الاجتماعي لا تعني أبدا تبرير الخروج عن القانون واستخدام العنف، ومن المؤسف محاولة بعض المعلقين توجيه الاتهام إلى الدولة بشكل حصري وأنها تستخدم العنف لردع هذه المشاكل، لأنه وفي نهاية الأمر وحتى تكون هناك دولة حقيقية يجب أن تكون هناك قوى أمن ودرك متواجدين في الساحة لحماية المواطنين وممتلكاتهم وحماية دور الدولة عندما تنتهي فرص الحوار ويبدأ العنف الاجتماعي في تهديد أمن الجميع.
الاحد, 23 اغسطس, 2009
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية













من هولندا
Informative and clear massage. I support your request to study the root of violence in Jordan. And I will forward your article to all my friends.
I hope you keep pushing on this request through your future articles. And it will add more power to your massage if you include real examples and statistics on those violence cases.
Good job ;-)