يشعر المرء بقلق بالغ عند متابعة الخط البياني المتصاعد لوتيرة الاعتصامات التي تحدث في الأردن لأسباب لها علاقة بالحقوق الأساسية من مياه وطاقة وحالة الاقتصاد وظروف العمل، وهي تعكس وجود حالة من التراجع في تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين ووجود إحباط كبير لدى فئات اجتماعية مختلفة تدفعها إلى تنفيذ خيار الاعتصام والذي لا يحدث عادة إلا بعد إنتهاء كل البدائل الممكنة للحوار. ولكن القلق الأكبر هو في الطريقة التي يتم فيها التعامل مع تلك الاعتصامات، والتي تلجأ إلى القوة من قبل أجهزة الدرك ويتم فيها فرض حالة من التوتر ما بين مواطنين أردنيين يلجؤون إلى خيار ديمقراطي وحضاري للتعبير عن مطالبتهم بحقوقهم، بعد أن وجدوا صمتا كبيرا وتجاهلا من المسؤولين المعنيين مباشرة بهذه المطالب. لا نريد أن نتحدث كثيرا عن "صورة الأردن في الخارج" فهي قد تضررت كثيرا نتيجة التغطية الإعلامية حول سلطة تنفيذية تضيق ذرعا باعتصامات ومطالب جماهيرية محقة وليست مسيسة بل ترتبط مباشرة بنوعية الحياة والحقوق الأساسية. الأهم من صورة الأردن في الخارج هي صورة الدولة الأردنية في عيون مواطنيها، وهي التي تستوجب الكثير من الحرص على رفض أية مبررات للمواجهة بين الدولة والمواطنين، والعمل دائما على ايجاد الحل العادل الذي يحقق المطالب المحقة ويضع الدولة الأردنية في مكانها الصحيح كوحدة جامعة ومرجعية لجميع مواطنيها. أدت الدولة الأردنية دورا كبيرا في تاريخها المعاصر في أن تكون مرجعية ذات مصداقية للمواطنين من خلال تأمين الخدمات والحقوق التنموية الأساسية وبمستوى يتجاوز حتى بعض الدول الشقيقة ذات الإمكانيات المالية الأكبر. وبعكس كثير من الدول الأخرى في المنطقة لم تقم الدولة الأردنية بمواجهة حقوق مواطنيها أو منعهم منهجيا من الحصول على مطالبهم بل ساهمت بتطوير نظام إدارة يدعم جميع الفئات وخاصة الأقل حظا في الحصول على الموارد الطبيعية والتنموية والخدمات العامة. من الواضح أن الدولة الأردنية غير راضية عن اللجوء إلى المواجهة مع الفئات المحتجة، وهذا ما ثبت من خلال إجراءات تصويب حدثت بعد فض اعتصام النقابات المعترض على الواردات الزراعية الإسرائيلية، وبعد التعامل الأولي السلبي مع الاحتجاج الحضاري لأهل الطيبة في الكرك، ومن المنتظر أن يكون هناك تصويب لطريقة التعامل مع المحتجين من عمال مؤسسة الموانئ ولكن من المهم الوصول إلى مرحلة لا يتم فيها أبدا اللجوء إلى القوة ضد المواطنين. ما يثير الإزعاج أيضا أن الكلفة التي تدفعها الدولة في السماح بالاعتصامات لا تذكر بل أنها قد تكون إيجابية وهذا ما يجعل اللجوء إلى القوة خللا استراتيجيا. في اعتصام النقابات كان يمكن السماح بالاعتصام وتوجيه رسالة سياسية ضد الوقاحة التي تتعامل فيها الحكومة الإسرائيلية الجديدة مع الأردن، وفي حالة اعتصام أهل الطيبة كان يمكن أن تكون نموذجا على التواصل بين الدولة والمواطنين بدون حدود وعلى تقبل الحكومة المركزية لضرورة تصويب الخلل في السياسات في بعض المناطق الريفية، وفي حال اعتصام عمال الموانئ فإن السماح بالاعتصام والتوصل إلى حل مقبول مع العمال كان سيصبح نموذجا في إدارة الأزمات، ولن يخسر الاقتصاد الأردني كثيرا نتيجة توقف العمال عن العمل بعض الساعات. ونجد أنه في دول مثل فرنسا يتم التعامل بكل أريحية مع اعتصامات عمال المطارات مع أن إضرابا لمدة ساعتين في مطار شارل ديغول يشل حركة الطيران العالمية. من المهم في هذه الظروف السياسية المقلقة أن يكون الحرص كبيرا على استمرار دور الدولة الأردنية كمرجعية لجميع مواطنيها وذات مصداقية في القيام بدورها الأساسي في تأمين الخدمات والحريات العامة ومن غير المقبول السماح لقرارات تؤخذ في حالة توتر وعصبية أن تسئ إلى هذه المعادلة التاريخية المركزية في استقرار الدولة الأردنية.
السبت, 01 اغسطس, 2009
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












