تحدث الفلاسفة والخبراء الاجتماعيين كثيرا في مسائل الحضارة والأخلاق، وكيف أن الأمم المتقدمة تبني حضاراتها لا على البنيان العمراني والثروات بل على الأخلاق والقيم والفضائل الاجتماعية. وتبدو هذه المقارنات مهمة جدا في هذا الزمن الذي بات فيه الثراء والتطاول في البنيان يشكل للكثيرين معيارا للحضارة هو في الحقيقة أبعد ما يكون عن الواقع. في الثقافة العربية والإسلامية هناك ربط متعسف ومبالغ به ما بين مفهومي الأخلاق والعفة، بحيث أن إصدار الإحكام على القيم الأخلاقية للامم والأفراد بات مبنيا على النظرة العربية والإسلامية للعفة والاحتشام، ولهذا نجد أنه في مخيلة الغالبية العظمى من المسلمين توجد قناعة بأن الحضارة الغربية منهارة وأنها مبنية على البنيان والمادة وليست على الأخلاق بسبب عدم وجود قيم العفة والاحتشام كما في العالم العربي والإسلامي. ولكن هذا التقييم سطحي ومضلل لأن الأخلاق ليست فقط في العفة بالرغم من أهميتها بل في النزاهة والصدق والإتقان والعمل واحترام حقوق الآخرين، وإذا كان لي أن أصف الأخلاق بجملة واحدة فلا يوجد أفضل من قول الرسول عليه الصلاة والسلام "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه". هذا الحديث الشريف الذي ربط الأخلاق والإيمان معا برابطة الحرص على منفعة الآخر وبالتالي ايضا رفض اي سلوك من شأنه أن يضر بالآخرين إذا كان يضر بالذات هو من أهم الوصايا التي يمكن استخدامها للحض على الأخلاق الكريمة كقيمة إسلامية راسخة، ولكن للأسف فإن هذه القيمة لا تزال غير مطبقة بالشكل الصحيح في مجتمعاتنا. كتب الكثير من الزملاء عن مشاكل الإزعاج الاجتماعي في فصل الصيف بالذات، وخاصة مواكب الأفراح التي تنتهك حقوق العامة من خلال إغلاق الشوارع وإبطاء حركة السير وإجبار المواطنين على تأخير مصالحهم وحتى في بعض الحالات إضرارهم جسديا إذا كان هناك مرضى بحاجة إلى العلاج، وهذا سلوك أناني بعيد تماما عن الأخلاق. كذلك الأمر في استخدام المفرقعات والعيارات النارية والأصوات العالية من أجل الاحتفالات العائلية والخاصة بما يزعج كافة سكان الحي. ومع أن معظم الناس يفكرون بأن الحل هو في الإستعانة بالشرطة فإنه لا مجال لوقف هذه الحالات من الإعتداء على حقوق الناس إلا بوجود منظومة أخلاقية مزروعة في التربية تركز على عدم السماح بالتعدي على حقوق الآخرين. تجد نفسك سائقا وراء مركبة فارهة الثمن وفجأة يقوم السائق بقذف سيجارة أو ورقة نفايات من الشباك قد تستقر بفعل الجاذبية في السيارة المجاورة. هذا يحدث مع أن السيارة مزودة بمساحات محددة للمخلفات وأعقاب السجائر ولكن للأسف فإن سائق السيارة ليس مزودا بالمنظومة التربوية الأخلاقية الكافية لاحترام المساحات العامة والمواطنين الآخرين. في صالات السينما تجد عائلات وزوارا يتركون ورائهم مخلفات التسالي التي يستعملونها مع أن هناك مواقع محددة للتخلص منها، ولكن ربما لأن العاملة الوافدة ليست موجودة لجمع هذه المخلفات ووضعها في المكان الصحيح. اما إذا أردنا الحديث عن غياب أخلاق النزاهة والإتقان في التعاملات التجارية والاقتصادية والخدمات فحدث ولا حرج! نتحدث عن الإصلاح السياسي والاجتماعي ولكن الأولوية هي لإصلاح حضاري وأخلاقي يبدأ من المنزل والمسجد والمدرسة يركز على أن الأخلاق ليست فقط لباس المرأة بل كل منظومة قيم النظافة والنزاهة والصدق والإخلاص والاحترام وإتقان العمل والتي هي قيم إسلامية وعربية اصيلة يجب أن يتم تنميتها لتحارب نزعات الأنانية والغرور والاستعلاء وعدم الاحترام والتعدي على حقوق الآخرين وعدم احترام المساحات العامة والرشوة والتلاعب والغش والفساد والتي تتزايد وبكل أسف في مجتمعاتنا العربية والإسلامية!
الخميس, 16 يوليو, 2009
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
اضيف في 17 يوليو, 2009 11:13 م , من قبل محمد حسن العمري
من اليمن
من اليمن

من اهم القيم الاخلاقية في الغرب احترام المواعيد ، وهو الذي تفتقده كل الشعوب العربية ، نفسي واحد عربي في كل الدول التي ازورها من عامل سباكة الى مدير شركة الى مؤسسة دولة ان تعطي موعدا وتفهم ان هذا جزء من اخلاق الغرب التي نفتقد وقيمته في تطوير المجتمع فوق قيمة الحشمة مثلا..
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية













تماماً