يمر مشروع ناقل البحرين في مرحلة جديدة من مساره المتعثر والذي يشبه سباق الحواجز، بعد أن أعلن بيان من السلطة الفلسطينية أن السلطة بصدد التفكير بالإنسحاب من المشروع في حال لم تقبل إسرائيل بالمطالب الفلسطينية في تسوية الموارد المائية الواردة على الجانب الغربي من البحر الميت في مناطق الدولة الفلسطينية المنتظرة. المطلب الفلسطيني محق ولا جدال في ذلك والمطلوب دعمه أردنيا وعربيا، ولكن من المستغرب أن تضع السلطة الفلسطينية خيار الإنسحاب من مشروع البحرين كوسيلة ضغط على إسرائيل خاصة أن الدولة العبرية ليست معنية كثيرا بهذا المشروع ولديها مشروع بديل بين البحرين الأبيض والميت ولن تذرف أية دمعة على إنهاء فكرة المشروع الحالي، بل أن مصلحتها الحقيقية قد تكمن في ذلك! المتضرر الاساسي من التوجه الفلسطيني هو الأردن وسكانه الذين يحتاجون إلى كل قطرة مياه. وبالرغم من مشروعية الموقف الفلسطيني فإنه من المستغرب أن يتم تفضيل رد فعل "إقليمي" يضر الأردن على رد فعل ضمن سياق المفاوضات الثنائية الفلسطينية-الإسرائيلية والتي تستمر حتى في ظل أسوأ حالات التعنت الإسرائيلي. بعض الجهود الدبلوماسية الأردنية قد تساهم في تغيير الموقف الفلسطيني ولكن ذلك يضع المشروع نفسه مرة أخرى في موقف صعب، حيث أن هناك عددا من المعيقات التي تواجه المشروع أكبر من فرص نجاحه. المعيق الأول هو التمويل فلا زالت الموارد المالية الوحيدة المخصصة حتى الآن هي للدراسات الاجتماعية-الاقتصادية والبيئية وهذا ما سيدر دخلا كبيرا على مكاتب الإستشارات التي فازت بالعطاء والمستشارين الأردنيين والدوليين المشاركين في الدراسات ويقدم فرصا جيدة لبعض السفرات والمؤتمرات للأطراف المشاركة وربما بعض الترويج للبنك الدولي ولكن لا توجد حتى الآن الأموال المخصصة للتنفيذ. هناك مجموعة من الإعتراضات الخارجية على المشروع ومعظمها ليس مبررا. الطرف الفلسطيني وحده هو الذي يملك المبرر في التلكؤ في المشاركة دون أن يحصل على حقوقه المائية في الضفة الغربية وغزة والآبار الموجودة في غرب البحر الميت. مصر أعلنت أولا عن رفض قطعي بسبب تصور وهمي بأن "قناة البحرين" ستكون للملاحة البحرية وتنافس قناة السويس، وقد حدث أن شاهدنا "خبراء" مصريين يظهرون على شاشات الفضائيات وخاصة الجزيرة للتحذير من المشروع الصهيوني الذي سينافس قناة السويس بتواطؤ أردني، ولم يكلف أي خبير منهم عناء القراءة لمعرفة حقيقة أن المشروع ليس إلا مجموعة أنابيب لنقل المياه. وبعد تبيان هذه الحقيقة أصبحت الانتقادات المصرية أكثر منطقية وتتعلق بالتغيرات المنتظر حدوثها على نوعية بيئة مياه البحر الأحمر في حال تم سحب كميات كبيرة من المياه منه. أما السعودية فقد أظهر بعض خبرائها الرسميين والأكاديميين رفضا للمشروع في دراسات منشورة ولكن لا يوجد موقف رسمي واضح. هناك ايضا اعتراض أردني داخلي يتمثل في توجه سياسي مبالغ به برفض التطبيع ومحاولة إلصاق الهوية الصهيونية التاريخية بالمشروع مع أنه حاليا مشروع ذي هوية وطنية، وللأسف فإن هؤلاء المعترضين السياسيين لا يتورعون عن التصريح للإعلام المصري والعربي ضد المشروع مما يعطي مصداقية وهمية للإعتراضات السياسية غير المبررة. أما الاعتراضات العلمية والبيئية فهي الأهم لأنها تتعلق بالتغير الممكن في مياه البحر الأحمر وكذلك زيادة مياه البحر الميت بشكل فجائي مما قد تنتج عنه تغيرات في الملوحة وما يصاحبها من تأثير على البنية الجيولوجية للبحر والأهم من ذلك كيفية تصريف المياه المالحة المليئة بالعناصر الثقيلة Brine والتي ستنتج عن محطات التحلية. أما ما هو مدهش حقا في قضية قناة البحرين فهو الإتفاق الذي ام مع هيئة الطاقة الذرية لتزويد المفاعلات النووية الأربعة المقترحة بكمية 400 مليون متر مكعب من المياه المحلاة الناتجة عن مشروع البحرين وهذه ربما أول حالة في التاريخ يتم فيها الاتفاق على تخصيص مياه لا زالت على الورق، لمشروع لا يزال هو الآخر على الورق!! هل حان الوقت لإعادة النظر جديا بجدوى مشروع البحرين، وتحويل كل التركيز والموارد على خيارات أكثر واقعية وأولها مشروع الديسي؟
الاربعاء, 15 يوليو, 2009
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












