مقالة لم تنشر في صحيفة الدستور كثر الحديث عن التحولات المنهجية التي تعرض لها القطاع العام في الأردن في السنوات الخمس الماضية بالتحديد، وبشكل مترافق مع تزايد تأثير ونفوذ القطاع الخاص. وقد تم تأطير هذا الجدل ضمن منظومة من الخلاف في التوجهات بين ما يسمى "نهج ليبرالي" وآخر هو النهج المحافظ وتم تقييم تجارب الإدارة الأردنية ضمن هذا الإطار والوصول إلى استنتاج مفاده أن الإدارة المعتمدة على نهج الليبرالية الاقتصادية تعرضت لحالات من الفساد أضرت بمصداقيتها. ولكن الواقع هو أن ظاهرة الفساد ليست مرتبطة أبدا بالنهج الليبرالي بشكل مباشر بل أن الفساد بقي دائما عنصرا معروفا في بعض أنماط الإدارة الأردنية حتى في "عهد النهج المحافظ" ولكن كانت هناك اختلافات في "اسلوب الفساد" حيث تحول من إستخدام غير مشروع للأموال العامة إلى استثمار للمنصب العام في كسب الأموال الخاصة في العطاءات والمناقصات وغيرها من فرص الغنى السريع. المشكلة ليست في النهج الليبرالي والمحافظ بل في تراجع فضيلة النزاهة في الإدارة وهذا ما يمكن ملاحظته بكل سهولة، حيث بات تناقض المصالح ما بين البزنس والمنصب العام ليس فقط مقبولا بل مبررا ويتم تغطيته بموجب فتاوى قانونية في بعض الحالات. تراجع النزاهة هو أخطر ما يمر على الإدارة الأردنية من تحولات، لأنه يساهم في فقدان الثقة ما بين المواطن والدولة، وهناك مستوى اساسي من الثقة من الضروري الحفاظ عليه من أجل الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والأمني ايضا في الدولة. لا داعي للتنظير المتواصل في مسائل الفساد لأن التعريف الأبسط للفساد هو استثمار المنصب للمصالح الخاصة سواء في القطاع العام أو الخاص. وعندما يكون صاحب الشركة التي يحال عليها عطاء هو زوجة أو إبنة أو خالة صاحب القرار في المؤسسة فإن "المبرر القانوني" الذي يتم استخدامه لا يمكن أن يضلل الناس ويخفي حقيقة غياب النزاهة ووجود تضارب المصالح. وبنفس المنطق فإن إطلاع بعض المسؤولين على مخططات تنظيم الأراضي بشكل مسبق واستثمار هذه المعرفة في المتاجرة بهذه الأراضي عن طريق الأقارب والأصدقاء هو ايضا نوع من الفساد الحقيقي الذي لا "يخالف القانون" ولكن ينبغي وقفه لأنه يخالف مبادئ المساواة في الفرص. واحد من أهم معالم الفساد في الإدارة الأردنية هو طغيان العلاقات الشخصية والعائلية والعشائرية والمصالح الخاصة على قرارات المصلحة العامة والمحاباة في اتخاذ القرار، وأخطر معالم هذا النوع من الفساد أنه قد يكون "مبررا ومدعوما" من قبل المجتمع نفسه حيث يوجد لها الفساد جذر اجتماعي متمكن يتمثل في "النزعة المحلية" وفيها ينحاز المسؤول وصاحب القرار إلى أشخاص آخرين من بلدته الأصلية مثلا أو من قريته أو من المحافظة التي ينتمي إليها على حساب منظومة المساواة في الحقوق والفرص بين كافة المواطنين. هذا النوع من الفساد ليس مقتصرا على القطاع العام حيث تنتشر ظواهر تضارب المصالح والمحاباة في جميع قطاعات المجتمع، بما في ذلك في القطاع الخاص وفي بعض مؤسسات المجتمع المدني، حيث تساهم المصالح الشخصية والمحاباة في تسيير المهمات وسرعة إنجازها وتراكم الأرباح لصالح فئات دون غيرها، أو في تحول المؤسسات الأهلية إلى مؤسسات عائلية وفئوية وحزبية مغلقة على مجموعة محددة وهو ما قد يضعف مصداقيتها عند تصديها لهذه الظواهر. التصدي للفساد وغياب النزاهة قضية في منتهى الصعوبة حتى في حال وجود قانون لمكافحة الفساد وديوان المحاسبة وأنظمة إدارية وهيئة مؤسسية لأن العنصر الأساسي هو البعد الأخلاقي الذاتي والعنصر الثاني هو في تقديم الحماية الكافية للموظفين الذين يجرؤون على كشف الفساد والذين عادة ما يدفعون ثمنا باهظا نظير رغبتهم في كشف الحقيقة ورفضهم لممارسة الأخطاء واية خطوة حقيقية في مكافحة الفساد تبدأ من تقديم الضمانات لكل من يكشف خفايا الفساد بالأدلة والبراهين.
الاربعاء, 01 يوليو, 2009
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
اضيف في 01 يوليو, 2009 01:56 م , من قبل batir
من الأردن
من الأردن

أخي نوفل للأسف دولنا العربية سريعة جدا في هذا النوع من السباقات والخاسر هو المصلحة العامة وكذلك الثقة بين الدولة والمواطن.
شكرا لمرورك وأنا معجب بمدونتك التي قرأتها قبل فترة والآن سأتابعها بشكل أكثر دقة.
اضيف في 01 يوليو, 2009 03:05 م , من قبل adel
من الأردن
من الأردن

لم ولن يوجد جدهفهج ليبرالية رسمية بالأردن ، ولايوجد تيار ليبرالي رسمي في اية بلد عربي. كفا خلط الأمور. اين دعاة المساوة والديمقراطية والتحرر في النهج الليبرالي؟ كل مايوجد هو تيار خصخصة (فساد مشروع) وإباحية (حريات جنسية وكحول). فقط لاغير.
اضيف في 07 يوليو, 2009 02:42 م , من قبل سمير
الاخ الكريم باتر
انا من المعجبين بأسلوبك ورجاحة عقلك لكن تفاجأت بك تضع وصلة لمدونة تهاجم الاسلام والمسلمين وتحتقر مقدسات المسلمين وتسيء للذات الاهية .
ارجو منك التوضيح الصريح وشكرا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية














من المغرب
يبدو..أننا سبقناكم في أمور كثيرة..النزاهة مفقودة منذ زمان..(هل وجدت أصلا؟)..لا ادري كيف هو الامر في اداراتكم..لكن حمل السلاح ممنوع في المغرب و يمكنك أن تخمن السبب..