مدهش جدا مدى ترسخ نظرية المؤامرة في الوعي الجماعي في العالم العربي والإسلامي، وربما تكون الحاجة ماسة لعمل دراسات اجتماعية واضحة المعالم ومبنية على أسس علمية دقيقة لمعرفة ملامح وأسباب هذه النظرية. البعض يعتقد بأن السبب الرئيسي هو في ميراث طويل من تعرض العالم العربي لمؤامرات خارجية أثرت على حاضره ومستقبله والبعض الآخر يعتقد بأن إنتشار الجهل والأحكام المسبقة هو السبب الرئيسي ولكن من الواضح أن هذا النمط من التفكير بات شائعا إلى درجة تثير الأسى. في الاسابيع الماضية انتشرت نظرية أن انفلونزا الطيور هي مؤامرة عالمية من قبل شركات الأدوية الأميركية والأوروبية لانتزاع ثروات الدول العربية من خلال نشر المرض وانهاك الموازنات العربية بشراء الأدوية والعقاقير والعلاج، ولكن أحدا لا يخوض عناء التفكير في أن المرض ضرب اساسا الاقتصاد المكسيكي وأن أكثر الإصابات موجودة في الولايات المتحدة وكندا وأن الدول العربية هي الأقل تعرضا للإصابات حتى الآن. في إيران تخوض قوى اجتماعية إيرانية معركة مبررة ومفهومة للحصول على الحريات السياسية والشخصية والانفكاك من عقود طويلة من الدكتاتورية ولكن معظم الناس في العالم العربي يفسر ما يحدث في إيران بأنه مؤامرة إسرائيلية-أميركية من أجل إسقاط "منهج المقاومة والنزاهة" الذي يتمثل حسب رؤيتهم في نظام ولاية الفقيه والرئيس نجاد ولكن ينسون تماما ويتجاهلون أن هناك ملايين الإيرانيين غير راضين عن النظام. حتى خسارة مصر المفجعة أمام الولايات المتحدة في بطولة كاس القارات تم تفسيرها بأنها مؤامرة وضغوط أميركية على مصر مع أن نسبة ضئيلة جدا من الأميركيين تهتم أصلا لكرة القدم ولو فرضنا أن الضغط نجح على المدرب واللاعبين المصريين فهل تملك الولايات المتحدة أيضا السطوة على البرازيل وايطاليا لفرض فوز البرازيل بثلاثة أهداف وهي نتيجة بدونها ما كانت الولايات المتحدة ستتأهل! نعم، أن القضايا السياسية في العالم العربي خطيرة وتؤثر على الكثير من المناطق في العالم، ولكن ليس كل حدث في أية بقعة في العالم له ارتباط بنظرية المؤامرة على العرب والمسلمين. سنويا تصدر في العالم العديد من الدراسات الاقتصادية والتنموية والثقافية والاجتماعية والعلمية حول مقارنة القارات والشعوب في الانجازات الحضارية ويأتي العالم العربي دائما في المؤخرة من حيث النجاح، فالعالم العربي هو المنطقة الوحيدة في العالم التي لا تطبق فيها الديمقراطية وتستمر فيها عبادة الفرد. وغالبية الأخبار عن العالم العربي أخبار سيئة وسلبية ومعظمها من صنع أيدينا، والعالم ينظر إلينا كنوع من التسلية وكنموذج على كل السلبيات مثل الفقر والجهل والقمع والفساد والتطرف وغيرها. وبنفس الوقت فإن لكل شعوب العالم قضاياها الهامة، والتي لا يهتم بها العرب ويعتبرونها من الأمور الهامشية، كما أنهم غالبا ما يتخذون مواقف سلبية من نضالات الكثير من الشعوب في سبيل النهضة والاستقلال مثل الأكراد والشيشان ويربطونها مباشرة بالسياسات الأميركية ويحاكمون قيم وثقافات هذه الشعوب حسب المعايير العربية وتعاطف العرب مع بعض الدول الاستعمارية مثل روسيا. وفي المحافل والمؤتمرات الدولية يطالب العرب من كل دول وشعوب العالم الوقوف إلى جانبهم في قضاياهم بدون أن يبذلوا جهودا صادقة في معرفة هموم وقضايا الشعوب الأخرى ومشاكلها والتعاطف معها ودعمها وخاصة في العالم الثالث. الخلاصة إن العالم يحتوى على حوالي ستة بلايين شخص من غير العرب والمسلمين، ولهم أحداثهم وقضاياهم التي يجب أن نفهمها على حقيقتها وبدون أن نربطها تعسفيا بالقضايا العربية، وأن نعلم تماما بأن العالم العربي ليس مركز الأحداث في العالم بل أنه للأسف يقع على الهامش وإذا أردنا أن نكون مركزا للأحداث فهذا يتم عن طريق التطور في الحضارة والانجازات والخروج من دائرة الجمود الفكري والتطرف والبيانات الإنشائية، وهذا أمر نستطيع تحقيقه إذا امتلكنا الإرادة لذلك والخطوة الأولى هي الخلاص النهائي من نظرية المؤامرة الساذجة.
الاربعاء, 24 يونيو, 2009
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
اضيف في 25 يونيو, 2009 07:43 م , من قبل انسان سطحي
عندي سؤالين لو سمحت:
الاول:ما الغاية من وجود قواعد عسكرية امريكية في المنطقة طالما ان المؤامرة مجرد نظرية؟
الثاني: هل يستحق الفلسطينيين المحاصرين في غزة بعضا من الدعم الاعلامي من قبلكم بين فترة واخرى؟ ام انهم مستثنون من قائمة الشعوب المناضلة من اجل الحرية والحقوق المدنية .
اضيف في 29 يونيو, 2009 01:01 م , من قبل Elaabed
من الأردن
من الأردن

عندما يعجز الأب في بيته عن التأثير في أبنائه وعائلته فأن أسهل وسيله لتحقيق ذلك هي أستعداء الأخرين ممن هم خارج نطاق أسرته الصغيره وخلق نوع العداء معهم وأتهامهم بين الحين والأخر بأنهم وراء ما يحصل في نطاق عائلته الصغيره وهم من يتاّمرون على زوجته وأولاده أو العكس ؛ على الزوج والأولاد ، فنظرية المؤامره تغطي ولو مؤقتا على الفشل المتكرر والمزمن ؛ فهي العلاقه التي نعلق عليه كل أخطاءنا وفشلنا .
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية














ما أراه أن هناك نوعان من نظرية المؤامرة:
١- ما يعتقده الجمهور بشأن قضية ما مثل نظرية أن الفيديو كليبات هي صنع غربي لإضاعة الشباب العربي مثلاً.
٢- ما يخرج به علينا الحاكم أو نظام الحكم عندما يقول أن مثلاً المظاهرات في بلد ما (ايران مثلاً) تحركها أصابع غربية أو أنها مندسة.
إن العجز عن توفير اجابات شافية منطقية تستهدف الوصول إلى نتيجة ما والالتزام بمتطلبات هذه النتيجة هو ما يعزز نظرية المؤامرة لدى المعتقدين بها.
وهناك الكثير مما يمكن أن يقال..