لم تتردد إدارة الرئيس أوباما بتخصيص مبلغ 50 بليون دولار لدعم عملية إعادة إحياء شركة جنرال موتورز بعد إعلان إفلاسها الأسطوري الشهر الماضي. الشركة العملاقة التي كانت أكبر صانع للسيارات في العالم لم تكن مجرد شركة أميركية بل رمزا للطبقة الوسطى والصناعة الأميركية، وهذا ما جعل الحكومة الفيدرالية تتدخل لضم الشركة تحت جناحها، والقيام بتأميمها فعليا من خلال امتلاك 60% من الأسهم وحمايتها دستوريا وقانونيا من الإفلاس تمهيدا لإعادة إطلاقها بحجم أصغر ولكن باستمرارية لا غنى عنها. ترنحت الشركة الكبرى نتيجة لعدة اسباب ولكن أهمها على الإطلاق كان الحجم الهائل لدفعات التأمين الصحي والضمان الاجتماعي للموظفين والمتقاعدين الذين يبلغ عددهم أكثر من نصف مليون في الولايات المتحدة لوحدها ناهيك عن المصانع المنتشرة في العالم. الأزمة المالية العالمية الأخيرة كانت القشة التي قصمت ظهر الشركة الكبرى وأنهت فرصها في الاستدانة لتغطية نفقات الضمان الاجتماعي والتأمين الصحي وخاصة مع تراجع المبيعات في السنوات العشرين الماضية مقارنة بالسيارات اليابانية الأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة. يعتقد الكثير من المحليين الاقتصاديين الأميركيين أن الحكومة الأميركية كانت سببا مهما في انهيار الشركة وخاصة أ،ها قدمت لها حماية تشبه "الدلال" في وجه المنافسة اليابانية بدلا من تشجيع الشركة على المزيد من الإبداع والتكيف في عملها. الغزو المستمر للسيارات اليابانية ذات الكفاءة العالية في الطاقة، والأرخص ثمنا والأسهل صيانة جعل السيارات الأميركية بمثابة ديناصورات لم يعد يقودها إلا المترفين في الولايات المتحدة والعالم لأن الخيارات أصبحت نحو السيارات الأرخص والأكثر كفاءة. الدور الحكومي الراعي بات عبئا على الشركة وتسبب ايضا في انهيارها، ولكن القرار السياسي للرئيس أوباما كان حصيفا في حماية أصول الشركة وبالتالي حياة نصف مليون مواطن أميركي مرتبطين بها. المثال الأميركي الأخير يؤكد أنه عندما تكون المصلحة العامة على المحك فإن اشد الأنظمة الاقتصادية قناعة باقتصاد السوق المفتوح يمكن أن تتحول نحو الرعاية والحماية الحكومية للشركات ذات الهوية الإستراتيجية وخاصة في المجال الصناعي وتلك المرتبطة بسبل معيشة نسبة لا يستهان بها من المواطنين. ليس من قبيل المبالغة ابدا أن القرار الأخير للإدارة الأميركية هو أشبه بقرار تأميم إشتراكي الطابع ولكن مع بعض التعديلات التي تتناسب مع نظام العولمة حيث يتوقع دخول شركاء أجانب في عملية إنقاذ الشركة وخاصة من كندا وروسيا. ولكن أطرف ما في العملية أن شركة جنرال موتورز تخلصت من خط إنتاج سيارات الهامر التي تستهلك كميات هائلة من الطاقة وأصبحت غير مرغوبة في العالم باستثناء المترفين من بلاد العرب، والشركة التي إشترت خط إنتاج الهامر هي شركة صينية ومن المتوقع أن تعيد إنتاج السيارة بمواصفات اقل فخامة واستهلاكا للوقود وتكون صناعة صينية لا أميركية، وهذا خبر مهم لجميع الفخورين بسيارات الهامر لكي يستعدوا لمرحلة يكونوا فيها ملاكا لسيارات صينية. العولمة مدهشة، وفيها حالات من النجاح والسقوط تثير الإنبهار، ولكن الدروس الاساسية في حالة جنرال موتورز أن عقيدة حرية السوق تتوارى فورا عندما يتعلق الأمر بقرارات حول شركات استراتيجية، وقرار إدارة أوباما هو درس للكثير من الحكومات المنومة مغناطيسيا بمبادئ حرية السوق!
الاحد, 14 يونيو, 2009
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












