المسار البائس والمتعثر لمشروع قانون الجمعيات الخيرية يتخذ اتجاها جديدا من خلال إحالته إلى لجنة العمل في مجلس النواب، وذلك بعد مناقشة أولية ظهر من خلالها وجود توجه عدائي تجاه القانون من غالبية النواب الذين ابدوا رأيهم أول أمس، مما ينذر بعواقب غير محمودة لمستقبل المجتمع المدني في الأردن، وربما نصا أكثر تقييدا لعملها مما أعدته الحكومة. لقد كان بالإمكان تفادى كل هذه الفوضى. المشرع الأردني الحكيم قام في العام 1966 بصياغة قانون متميز للجمعيات الخيرية سابق لعصره وزمانه ساهم في تمكين المنظمات الخيرية التقليدية في الستينات والسبعينات والثمانينات وقام بدور الحاضنة التشريعية للنمو المتميز في المنظمات غير الحكومية منذ نهاية التسعينات، والآن وفي نهاية العقد الأول من الألفية الجديدة نجد أننا في مواجهة قانون مقيد لعمل المجتمع المدني ومعرض لخطر المزيد من التقييد في مجلس النواب. ما هو مزعج لكافة المؤمنين بقيم المجتمع المدني انه لا يوجد سبب منطقي يفرض تقديم قانون جديد خاصة اذا اعادنا الى الوراء. النص الحالي لمشروع قانون الجمعيات الخيرية يضع الكثير من التقييد على عملها بالرغم من أنه نص متقدم عما كان في بداية الطرح. في الأشهر الماضية فتحت وزيرة التنمية الاجتماعية حوارا مهما مع منظمات المجتمع المدني وتقبلت الحكومة الكثير من الطروحات التي قدمتها هذه المنظمات من أجل تطوير القانون وجعله أكثر تماشيا مع دولة متقدمة وحديثة متميزة بمجتمع مدني قوي وناهض في العام 2009. هذا التطور في القانون والذي جاء نتيجة عملية ديمقراطية إيجابية اعتبره بعض أعضاء مجلس النواب "رضوخا من الحكومة لضغط المجتمع المدني وضغوطات خارجية" وهذا تصور خطير جدا لثلاث اسباب. السبب الأول أن مجلس النواب يحمل عداء وتشكيكا بالمجتمع المدني ولا يتفهم طبيعة الشراكة المطلوبة في التنمية بين الحكومة والمجتمع المدني، ولهذا إعتبر النواب المتحدثين أن "الحوار" هو "ضغط" وأن تفهم الحكومة كان رضوخا مما يعكس عدم قدرة على استيعاب أنماط الحوار الديمقراطي بين القطاعات المختلفة. السبب الثاني أن النواب في موقفهم هذا يروجون لحالة من الشك في نوايا المجتمع المدني. العقلية التشكيكية لا تتناسب ابدا مع الحوار الديمقراطي واحترام الرأي الآخر، وفي واقع الأمر فإنني لا أزال أصر على رأي شخصي أحمله ومفاده أن القطاع الوحيد في الأردن والعالم العربي المهيأ للمساهمة والضغط بإتجاه الإصلاح السياسي والثقافي والاجتماعي والديمقراطية هو المجتمع المدني لأنه القطاع الذي يساهم في جمع نشطاء العمل العام بناء على الرغبة الحقيقية في العمل والالتزام وليس من خلال وظيفة أو دورا سياسيا مأمولا. السبب الثالث أن الموقف السلبي من قبل بعض النواب قد يعكس أيضا موقفا تشكيكيا من مضمون عمل المجتمع المدني وليس فقط حقه في العمل العام. مؤسسات المجتمع المدني تضم أشخاصا تجمعهم اهتمامات وقيم مشتركة مثل حقوق الإنسان والمرأة والديمقراطية والإعلام والبيئة والتنمية وهم يملكون كل أشكال الحقوق الدستورية والعملية في تشكيل هذه المؤسسات والدفاع عن هذه القيم العالمية ونشرها في الأردن لأنها ليست قيما مرتبطة بحضارة واحدة بل هي عالمية النزعة والمبادئ. المجتمع المدني الأردني هو جزء من شبكة عالمية للحراك الاجتماعي مصيرها الوحيد هو النمو والإزدهار بفعل تحول العالم إلى قرية صغيرة ونمو وسائل الاتصال والتنسيق، ومن مصلحة الأردن وجود مجتمع مدني قوي يتحمل جزءا من أعباء التنمية والإصلاح في ظل تقاعس "قطاعات" عديدة عن لعب هذا الدور، ومن المؤسف أن الإطار التشريعي لعمل هذه المنظمات سوف يشهد تراجعا كبيرا في الحرية والتمكين بسبب فكر تشكيكي وسلبي قد يعود بالبلاد أكثر من 40 سنة إلى الوراء.
السبت, 13 يونيو, 2009
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












