تم قبل أسبوعين إقرار الإستراتيجية الوطنية للمياه 2008-2022 والتي أعدتها مجموعة من الخبراء والمختصين في شؤون المياه في الأردن وهي تمثل الوثيقة التخطيطية الرئيسية لأهم قطاع تنموي يؤثر على حياة ملايين الأردنيين في كافة مواقع تواجدهم المنزلية والمهنية. هذه الوثيقة، مثل الكثير من الإستراتيجيات الوطنية الهامة لم تأخذ حقها في النقاش العام، وتم إختصار الكثير من المراحل التي كان يمكن أن تتضمن مستوى أعلى من التشاركية والشفافية في اتخاذ القرار، وهذا ما سيجعلها عرضة للنقد والتمحيص بشكل كبير في الفترة القادمة وربما يؤثر حتى على تطبيقها الفعلي نظرا لعدم وجود ملكية واسعة النطاق لها. الوثيقة بشكل عام ركزت على أهمية استثمار كل قطرة مياه في الأردن، مع الأولوية الواضحة لمياه الشرب، وقد تضمنت عشرات التوصيات ومعظمها يمثل توجها إيجابيا ومطلوبا وبعضها الآخر يحتمل النقاش وتبادل وجهات النظر. ولكن ما لم يكن موجودا في الإستراتيجية ولا في إذهان المتابعين لقطاع المياه في الأردن هو تخصيص 100 مليون متر مكعب من مشروع قناة البحرين للمفاعل النووي المزمع إقامته في العقبة، وهي الاتفاقية التي تم التوقيع عليها قبل يومين بدون "إنذار مبكر" او حتى مناقشة حول جدوى هذا الخيار وحكمته. تخصيص حوالي 10% من الموارد المائية المتوقعة في العام 2022 من أجل المفاعل النووي، وعلى حساب التخصيص لمياه الشرب والزراعة والصناعة قرار يتطلب المزيد من التفكير والبحث، والأهم من ذلك أنه مرة أخرى يطرح التساؤل المهم حول جدوى مشروع الطاقة النووية والذي لم يطرح للنقاش ابدا. عندما تم عرض وتطوير مشروع الطاقة النووية لم يكن هناك توضيح لمصدر المياه للمفاعلات المتوقعة، ولم يجب الخبراء الذين روجوا للمشروع على التساؤلات التي طرحت حول مصدر المياه وكان المتوقع هو مياه البحر الأحمر من خلال أنبوب ناقل يمتد 12 كم من الساحل حتى موقع المفاعل ولكن نكتشف الآن أن الخيار المتفق عليه كان المياه من ناقل البحرين. وبالإضافة إلى ذلك فإن الاتفاقية لا تظهر مصير المياه بعد استخدامها للتبريد وهي ستكون مياها ساخنة وكيف سيتم التخلص منها، وهل سيكون خليج العقبة هو مصدر التخلص من المياه الساخنة وتحت أي معدل تدفق وحرارة؟ كل هذه الأسئلة الضرورية لا زالت بحكم الغيب. لا أحد يدعي احتكار المصلحة الوطنية، ولا أحد ايضا يستطيع أن يدعي العلم الكامل في موضوع تقني وفني يتضمن قرارات حساسة وخطيرة. في هذا البلد الآلاف وليس المئات من المختصين والخبراء في مجالات المياه والطاقة والأردن بحاجة إلى سماع أصواتهم وآرائهم في هذه القضايا وليس من مصلحة الأردن استمرار التسارع المشهود حاليا في مشروع الطاقة النووية بدون الالتفات إلى الأسئلة الرئيسية الخاصة بمصادر المياه والتخلص منها وطرق التخلص من المخلفات النووية. وكذلك فإن الخيار الأمثل لأمن الطاقة وهو التوجه المدروس والفعال نحو الطاقة الشمسية لم يأخذ حقه من الدعم، وهو توجه يستثمر مصدر طاقة دائم لا ينضب، ولا يحتاج إلى استنزاف كميات كبيرة من المياه الشحيحة، ولا تنتج عنه مخلفات خطرة على صحة الإنسان، ولا يشكل هاجسا أمنيا لحمايته من أية مشكلة فنية أو تهديد بشري. في مرحلة ما، ينبغي التوقف والتريث والتفكير بطريقة منطقية واستراتيجية حول خيار الطاقة النووية، خاصة أن بعض التفاصيل تظهر بشكل مفاجئ، منها استخدام 100 مليون متر مكعب سوف ترتفع إلى 200 مليون من المياه العذبة لتغذية المفاعل، وربما يكون في الجعبة المزيد من المفاجآت وهذا ما يتطلب الشفافية والوضوح وفسح المجال أمام كافة الآراء العلمية للنقاش في خيار الطاقة النووية وتفاصيله المعقدة.
السبت, 30 مايو, 2009
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












