مرصد الأردن
هنا أكتب ما أريد، بعيدا عن قيود الإعلام التقليدي

أقسى تجربة في حياتي

أجد نفسي بعد شهرين تماما وللمرة الأولى قادرا على استعادة الهدوء للتفكير والتعبير عن أقسى تجربة مررت بها في حياتي جعلتني أرى الدنيا بعيون جديدة وأغير الكثير من الأولويات التي كنت أصنفها بطريقة خاطئة.

لا أعرف إذا كان يمكن أن يمر المرء بشعور أصعب من مشاهدة طفله الصغير يكافح من أجل البقاء على قيد الحياة في المستشفى ولمدة أسبوعين قبل أن يرأف الله به وبنا ويعيده إلينا في حال حال ربما ليست مثالية من الناحية الصحية، ولكنها أفضل بكثير مما وصلنا إليه في الأيام السيئة وتبقى مفتوحة على احتمالات الشفاء النهائي.

في الخامس عشر من كانون الثاني أشرقت حياتي بولادة التوأم زيد ويارا، بعد 8 سنوات من ولادة إبنتى الكبرى سوزان، وهذا ما اعتبرناه حدثا إستثنائيا وتجربة فريدة لا يمر بها إلا القليل من الآباء. ليس من السهل أبدا تربية توأم بكل المصاعب والتحديات التي تفرضها الحاجة إلى تخصيص الوقت الكافي من الرعاية والتربية ونقصان النوم والتغير الجذري في نمط الحياة. زيد ولد ومنذ اليوم الأول وهو يعاني من صعوبات في التنفس، ولكن هذه هي حال الكثير من الأطفال الذين يواجهون مشاكل تنفسية في الفترات الأولى من الحياة قبل أن يشتد عودهم وتكبر أجهزتهم التنفسية.

لم يكن زيد بحاجة إلى الخداج، ولكن كان دائما يصدر أصواتا أثناء التنفس ويتحرك صدره بطريقة سريعة من أجل التقاط الأنفاس ويجد صعوبة في النوم وكذلك شرب الحليب، ولكن مراجعاتنا المستمرة عند طبيبته أفادت بوجود حالة تسمى Laryngo Malacia وهو ارتخاء في غضاريف القصبة الهوائية ويحتاج إلى الوقت حتى يتحسن حيث يمكن أن يمتد الأمر إلة الشهر السادس قبل أن يصبح التنفس أفضل وأقرب إلى الاعتيادي. هذا الوضع تطلب عناية خاصة باستخدام أدوية مضادة للحساسية وبخاخات مستمرة والكثير من السهر والتعب بانتظار التحسن. ولكن الأسوأ لم يكن قد ظهر بعد.

عندما ولد زيد ظهرت عليه امتدادات من شرايين دموية زائدة عند منطقة الرأس والرقبة في الجهة اليسرى، وهي ما تسمى شعبيا "وحمة" وعلميا Haemangioma ولكن الطبيبة أكدت بأن هذه الحالة تختفي مع الوقت وتصيب 7% من الأطفال ويمكن معالجتها تجميليا بالليزر بعد سنوات وهذا لم يشكل لنا قلقا بقدر ما كانت قضية التنفس. ولكن حالة زيد ازدادت سوءا منذ الأسبوع السابع من عمره، حيث أصبح تنفسه صعبا جدا وإضطرنا إلى إدخاله إلى مستشفى خاص مشهور ولمدة 5 أيام تمت معالجته ومحاولة تشخيصه وكانت فترة صعبة جدا خاصة مع الإضطرار لغرز الأبرة في شرايينه الصغيرة ووضع كمامات أكسجين للتنفس وغير ذلك من التدخلات الطبية. وبعد خمسة ايام من المعالجة اصبحت الأوضاع الصحية لزيد أفضل وكذلك التنفس وتم إخراجه من المستشفى مع برنامج علاجي بيتي يعتمد على البخاخات والأدوية وهذا ما استمرينا به اربع أيام قبل أن يحدث تدهور سريع ومخيف على وضعه الصحي.

في صباح السبت 15 آذار أي في بداية الشهر الثالث من عمره إضطررنا إلى إدخاله إلى مستشفى آخر وهو الأفضل في الأردن من حيث الرعاية الصحية تحت إشراف طبيبة جديدة لم نتعامل معها قبل اليوم بسبب سفر طبيبته، وخلال ساعات معدودة كان وضع زيد يسوء وتمكنت الطبيبة بسرعة وبمساعدة الأطباء المقيمين من السيطرة على حالة التنفس بصعوبة وربط زيد بأجهزة ضخ أكسجين وعمل الكثير من الفحوصات الطبية وصور الأشعة.

في اليوم التالي أصبحت الأمور أسوأ وبات في خطر التوقف عن التنفس وكان ذلك أصعب ايام حياتنا أنا وزوجتي على الإطلاق حيث تم اتخاذ قرار بإدخاله إلى عملية كانت تتطلب إما إدخال أنبوب تنفس في الفم أو شق فتحة في الرقبة للتنفس في حال الإضطرار، ولكن الأسوأ من ذلك أن طبيب التخدير أبلغني بأن هناك حاجة إلى تخدير كلي وهناك احتمال مرعب بأن لا يتمكن زيد من الصحو بعد التخدير بسبب صغر سنه وصغر الجهاز التنفسي والحجاب الحاجز.

كانت تلك لحظات قاسية جدا ولكن لم يكن هناك بد من العملية. شاهدت زيد يبتعد على طاولة العمليات ويدخل الغرفة في نهاية الممر ويده الصغيرة مرفوعة وكأنها تستنجد، وكنت أجهل تماما ماذا سيحدث بعد دقائق وشعرت بعجز واستسلام تام ودخلنا في فترة إنتظار قاسية جدا حتى خرج زيد بالخيار الأفضل في تلك الظروف الصعبة وهو الأنبوب في الفم للتنفس ودخل إلى غرفة العناية المركزة ليبقى فيها 8 ايام إضافية.

في تلك الأيام اكتشفنا الحقيقة المزعجة والتي مفادها أنه بالإضافة إلى حالة ارتخاء الغضروف التي يمكن أن تعالج مع الوقت كان زيد يتعرض لخطر داهم وهو امتداد الكتلة الدموية داخل الرقبة وضغطها الشديد على الحنجرة والقصبة الهوائية إلى مرحلة شبه إغلاق المسار التنفسي وهذا ما يحتاج إلى تدخل سريع.

تمت استشارة مجموعة من الخبراء في جراحة الأوعية الدموية والتخدير والجهاز التنفسي في الأردن وفي العالم وكانت الخيار هو إجراء عمليتين متتاليتين في يومين أولها جراحة أوعية دموية لإيقاف نمو الكتلة الدموية والثانية في اليوم التالي لإزالتها ولكن الخطورة كبيرة جدا لهذه العملية.

كنا في دوامة قاسية ما بين الحاجة إلى ذلك الخيار والتمسك بالأمل في النجاة ومشاهدته وهو في العناية المركزة معتمدا على أجهزة تنفس وأنبوب تغذية وهو لم يتجاوز الشهرين من العمر.

كانت أيام صعبة جدا. سوزان ويارا تنامان عند والدتي والبيت بارد وفارغ وأنا وزوجتي ننام ليليا في المستشفى ننتظر الجديد وتغيبت عن العمل وعن كل شئ آخر لمدة 10 أيام.  وما حدث هو أن الأطباء أجمعوا على خطورة العملية وقرروا عدم المضي فيها خاصة أنها حالة نادرة ولم تمر سابقا على اي منهم ولا حتى في كل الأردن حسب خبراتهم. تم اتخاذ قرار بالاعتماد على إعطاء زيد جرعات من الكورتيزون لإيقاف نمو الكتلة الدموية وتخفيف الضغط عن الحنجرة والاعتماد على الوقت حتى يتسنى لزيد لتنفس ذاتيا بدون الحاجة إلى الأجهزة. وبالفعل بدأ العلاج بالكورتيزون وتحسنت حالة زيد وخرج من العناية المركزة بعد 3 ايام وإلى البيت بعد يومين.

الآن زيد يخضع لعلاج الكورتيزون وتم تخفيف الجرعة بنسبة 50% والاستجابة حسنة ولله الحمد. لا زال التنفس صعبا ولكنه أفضل بكثير مما كان عليه قبل الدخول إلى المستشفى ولكن مستوى الرعاية الصحية والحرص المطلوب كبير جدا. زوجتي أصبحت متفرغة تماما لزيد والهدف الأساسي هو التقليص ما أمكن من حالات بكاءه لأن البكاء والتوتر يساهم في إضعاف تنفسه ولهذا يجب تقديم الاحتياجات التي يطلبها بسرعة فائقة وأنا أساعد في الشؤون الخاصة بيارا من إطعام ورعاية وكذلك الاهتمام بسوزان واحتياجاتها، وبالرغم من صعوبة النمط المعيشي الحالي فإنه إنجاز كبير جدا مقارنة بالاحتمالات المخيفة التي عشناها.

ارتخاء الغضروف لا يزال هو المشكلة الحالية ونتأمل أن يتراجع مع الوقت كما تفيد الخبرات والسجلات الطبية ولكن الكتلة الدموية لا زالت موجودة وهي أيضا تحتاج إلى الوقت حتى تتراجع ذاتيا ونحن الآن نهتم بمرور كل يوم إضافي ونحن مسيطرون على الوضع الصحي لزيد بأفضل ما يمكن عمله.

في مثل هذه التجارب يشعر الإنسان بقيمة الدقائق والأوقات الجميلة التي يقضيها مع عائلته ويحس بضرورة تمجيد هذه الأوقات وجعلها ذات أولوية على كل شئ آخر سواء كان العمل أو الالتزامات الاجتماعية أو التسلية أو أي نمط آخر من الحياة. في الفترات الصعبة التي عشناها في المستشفى كان كل طموحي هو إستعادة زيد إلى المنزل وإغلاق الباب في نهاية اليوم وكل أفراد أسرتي وأولادي معي

يتميز زيد ولله الحمد بقدرة ممتازة على التواصل مع المحيط الخارجي وهو ضحوك وودود بالرغم من أن الحياو كانت قاسية معه ولكنه ايضا أعطاني نموذجا في القوة والصمود. لقد عانى الكثير من الآلام والمشاكل في المستشفى ولكنه بقي متمسكا بالحياة بقوة وأتمنى أن يعطينا الله القوة لنساعده على النمو والشفاء والإستمتاع معنا جميعا بكل ما تمنحه الحياة من جمال ونحميه من المخاطر والمشاكل، فقد تعلمنا أن كثيرا من الأشياء التي نعتبر أنها مهمة في الحياة وتثير غضبنا وانزعاجنا لا تعني شيئا مقارنة بابتسامة طفل سعيد ومقبل على الحياة.      

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(8) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 18 مايو, 2009 11:02 م , من قبل Mafraq
من الأردن

Chin up old bean. He will make it and grow up to torment your life and scrutinize all your silly political views. Dont lose hope in your ability to have an informed opinion about his condition, always ask for second opinion and dont hesitate to blatantly demand a congerence with different Doctors, as you know, we dont have a standard of care and you probably can offer advise through your big brother Google and please try to get your well connected back side to email "Mulliken


اضيف في 19 مايو, 2009 12:26 ص , من قبل محمد
من الأردن

ان شاء الله يقوم بالسلامة و يتربى بعزكم
فعلاً تبقى الروابط العائلية اقوى رابطة و لازم ان تقدر حق التقدير


اضيف في 19 مايو, 2009 01:02 ص , من قبل Qwaider قويدر
من الولايات المتحدة

شفاه الله ورعاه بإذن الله. انشالله قريبا سيشفى و يستمتع بطفولته و تقر عيونكم به.
دعواتنا و قلوبنا معكم


اضيف في 19 مايو, 2009 01:20 ص , من قبل Mohanned
من الولايات المتحدة

ألف سلامة عليه..


اضيف في 19 مايو, 2009 05:58 م , من قبل Summer
من البحرين

تمنياتي لزيد بالشفاء التام و العاجل بأذن الله..راح أدعي له بالشفاء و انشاء الله ربنا كريم و راح يشفيه و تشوفوه عريس يا رب.
تفقّد اللهرحمه لعباده... اكيد انت و زوجتك ايمانكم كبير و قوي و انشاء الله تشوفوا كل خير قريبا بأذنه تعالى.


اضيف في 24 مايو, 2009 07:13 ص , من قبل ريدا
من الأردن

هي فعلا تجربة قاسية ولكن الله بعمل هيك لحكمة ،وانشاء الله الايام القدمة بتكون احسن .
الله يشفية وانشاء الله بتفرحوا فية ويطيكم القوة والصبر والايمان ،


اضيف في 01 يونيو, 2009 10:10 م , من قبل الريامي
من لإمارات العربية المتحدة

عليك دائماً بالتضرع والدعاء له فإن الله قادر على كل شئ..لا تعلم يا أخي كم أحس بتجربتك فإنني لا زلت أمر بها لقد حملت بعد عشر سنواتوكانت مفاجئة بالنسبة إلي وعلى الرغم من تعرضي للكثير من المتاعب خلال فترة الحمل من نزيف وضط دم عالي وسكر الحمل واستخدام إبر الأنسولين ولكن إرادة الله فوق كل شي أبقاه لي ولد علي في 28 أغسطس 2008 وكان يصدر صوتاً وبعد التحاليل والأشعة تبين أن لديه مشاكل في القلب من تبادل الشرايين وثقبين وتم إجراء عمليه جراحية للقلب وهو ذو الخمسة أيام وحدثت غلطة في العملية بأن الشريان الأبهر يضغط على القصبة الهوائية اليسرى مما أدى إلى ضعف جدار تلك القصبة ولم يتم اكتشاف ذلك إلا بعد 3 شهور من العملية وتم عمل فتحة في الرقبة لتسهيل عملية التنفس بعد ما كان على انبوب في الفم وكل ذلك وهو لا يزال في العناية المركزة كل يوم خلال 4 شهور الماضية يعلموك الاطباء بحدوث شي ما وعلى فكرة لقد كان صدره مفتوحاً لمدة 10 أيام بعد العملية لإصابته بنزيف وهبوط في عضلة القلب وكانت الأمعاء لا تعمل....إلخ
ونصحني الطبيب بإبقائة لمدة السنة في العناية ولم أقبل راسلت أكبر المستشفيات في أمريكا وبالفعل نقلته إلى هناك للعلاج وأجريته له عمليتين خلال 3 أيام لتخفيف ضغط الشريان على القصبة ولا يزال ابني بهذه الفتحة ولا أعلم إلى متى ولكن الحمد لله تلقيت كافة التدريبات على الاهتمام به ورعايته وكما ذكرت يا أخي عندما ترى بعينك ما يمر به طفلك من معاناة ينفطر قلبك عليه وتتمنى ان يعجل الله بشفائه ويرحمه من هذه المعاناة.
وعلى فكرة طفلي أيضا اجتماعي ضحوك ودود والحمد لله وابتسامته بالدنيا كلها...اللهم يا مشافي يا معافي أن تشافي لنا أبنائنا وترحمهم برحمتك يا عزيز يا قدير


اضيف في 03 يونيو, 2009 12:54 م , من قبل batir
من الأردن

شكرا لجميع التعليقات وإسمحوا لي بالتعقيب على التعليق الأخير من الأخت الريامي.
لقد تملكتني مشاعر متنازعة وأنا أقرأ ما كتبتيه. من جهة أنا معجب جدا بالتماسك والوضوح في الرؤية بالرغم من الموقف الصعب جدا الذي تواجهينه وهو أصعب بكثير مما نواجهه وهي بلا شك تجربة تتطلب أقصى أنواع المقاومة والصلابة من جهة بالنسبة إليك، والحب والحنين من جهة أخرى لتمنحينها لطفلك وهو في أمس الحاجة لها
أرجو أن يتعافى طفلك بسرعة ويزاول حياته بشكل طبيعي ولكن من المحزن أن لا يدفع الثمن الأطباء الذين أخطئوا في حق هذا الطفل البرئ وجعلوه يتعرض لكل هذه التجربة القاسية.




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني