بات قراصنة الصومال وجبة يومية في الإعلام الغربي. هذه الموجة من الهجمات على السفن الغربية والمعدة بعناية وإتقان وسرعة وما يترافق معها من خيالات المغامرات البحرية تعتبر جذابة للقراء في الغرب، تماما كما كانت مبيعات فلم "قراصنة الكاريبي" عالية جدا وربما سوف نجد مجموعة من الأفلام التي تكتسح السينما الغربية تتحدث عن اختطاف السفن في الساحل الصومالي وعمليات التحرير التي ترافقها. التحقيقات الأكثر عمقا تشير إلى وجود شبكة فعالة من التخطيط والتمويل لهؤلاء القراصنة تتضمن خبراء في التجارة غير المشروعة وشبكات لتبييض الأموال التي يتم الحصول عليها من الضحايا وهذا يفسر بشكل كبير مدى فعالية هذه الهجمات والتي لا تحمل أي بعد وطني أو ايديولوجي. وإذا كانت وسائل الإعلام قد ركزت على حالة القرصنة في الصومال فإن هناك عالما موازيا من التجارة غير المشروعة يتضمن تفاصيل مذهلة حول كيفية قيام آلاف المجرمين في العالم بتدوير اقتصاد سري يبلغ حوالي 3 تريليون دولار اي بنسبة 10% من مجمل الاقتصاد العالمي. أقرأ حاليا كتابا بعنوان Illicit من تأليف موسي نعيم وهو رئيس تحرير مجلة فورين بوليسي الأميركية الشهيرة، وهو يتضمن تفاصيل بالأسماء والأحداث والدول عن كافة أنواع الإتجار غير المشروع في العالم سواء كانت التجارة بالأسلحة أو المخدرات أو البشر أو أعضاء البشر أو النسخ المقرصنة من منتجات الملكية الفكرية وتبييض الأموال. هذا الكتاب يستحق الترجمة إلى اللغة العربية بسبب مقدار المعرفة الكبير الذي يحتويه حول شبكات التجارة غير الشرعية والإجرام المنظم، حيث أيضا توجد نسب عالية من هذه الأعمال في البلاد العربية ومن قبل أفراد وشركات يستثمرون مناخ الفوضى في بعض الدول ومناخ الانفتاح التجاري في دول أخرى لتنفيذ الجرائم الاقتصادية. ويشير المؤلف بأن انتشار أدوات العولمة كان سببا اساسيا في تزايد جرائم التهريب والتجارة غير الشرعية حيث استغلت التنظيمات والأفراد الخارجين عن القانون هذه الأدوات لتحقيق الربح، وهو المبرر الوحيد لهذه الأعمال حتى لو كان مغلفا بستار من الفكر السياسي أو الإيديولوجي. وربما يكون أهم الأمثلة التي ساقها الكاتب قيام إمبراطور تهريب السلاح الروسي فيكتور بوت ببيع حركة طالبان أسلحة إسرائيلية الصنع عن طريق وسطاء باكستانيين وماليزيين. لم تهتم طالبان بمكان صناعة الأسلحة ولم يهتم المهرب الروسي بايديولوجية الحركة طالما أن الربح موجود، وهكذا هي كل حالات التهريب والقرصنة في العالم. الأمثلة لا تحصى في الكتاب عن تواطؤ بعض الحكومات والنخب في الدول النامية وخاصة في إفريقيا مع شبكات التهريب والإجرام لنهب الموارد الوطنية لهذه الدول، وهو يتحدث عن "شبه دول مستقلة" تمثل مقاطعات ومناطق جغرافية خارجة عن سيطرة الدول يتم فيها تنفيذ تجارة سوداء عائلية ومحلية الإدارة وتشكل سوقا مفتوحة للباحثين عن الأسلحة والمخدرات والرقيق الأبيض وتبييض الأموال. فتحت العولمة آفاقا عديدة للتعاون بين الدول والمجتمعات، وساهمت أيضا في طغيان أنماط من الثقافة الاستهلاكية وخاصة الغربية منها وفي سطوة المنتجات والسلع من الدول الصناعية الكبرى على الأسواق المحلية للدول النامية، ولكن القليل من المعلومات متاح حول العالم السري للإجرام الموازي للاقتصاد التقليدي والذي يخلق ويضاعف من آثار النكبات السياسية والاقتصادية في العالم حتى تلك التي تحمل شعارا إيديولوجيا زائفا.
الاربعاء, 29 ابريل, 2009
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












