ما هي نسبة العرب الذين يهدرون معظم أوقاتهم في متابعة البرامج والمسلسلات السطحية الخالية من أي مضمون معرفي أو ثقافي على القنوات الفضائية العربية؟ ربما يعرف جورج قرداحي ومعدو برنامج القوة العاشرة هذا الجواب، فهم في نهاية الأمر يخضعون المتسابقين المساكين إلى لعبة حظ في تحديد رقم لا ترتبط به أية قيمة معرفية ولا مجرد قدرة على التخمين والتحليل من أجل الفوز بالجائزة. من المحبط متابعة تراجعى مستوى البرامج التي يقدمها الإعلامي صاحب الجاذبية المتميزة جورج قرداحي. لقد كان برنامج من سيربح المليون متميزا لأنه تضمن ثقافة حقيقية وامتحانا لقدرة المتسابق الفرد على المعرفة، وجاء البرنامج التالي الذي تضمن فرقا من دول عربية مختلفة ليضيع المعرفة الفردية ويخضع النتائج للحاسوب الذي لا يتميز بالشفافية ، والآن جاء برنامج يعتمد فقط على الحظ ولا يحمل أية معلومات تفيد ملايين الناس المتابعين له بشغف. لا يقتصر الأمر على هذا البرنامج، فالنسبة الأكبر مما تعرضه الشاشات العربية من ساعات بثها سواء المسلسلات التركية أو أفلام الأكشن والرعب والعنف الأجنبية أوالمسابقات أو برامج تلفزيون الواقع أو قنوات الترفيه أو قنوات الدروشة، وحتى بعض البرامج الحوارية في القنوات الإخبارية هي مجرد مضيعة للوقت. يكاد المرء يحار من نوعية البرامج التي يمكن أن يشاهدها للحصول على معرفة وتسلية بنفس الوقت، وربما يقتصر الأمر على قناة الجزيرة الوثائقية وبعض البرامج المفيدة في قنوات دويتشي فيله الألمانية وروسيا اليوم وفرنسا والبي بي سي باللغة العربية وكذلك بعض البرامج المتميزة في قنوات الجزيرة والعربية وأبو ظبي ودريم بالذات. ومن الغريب أن القنوات المتخصصة بالمعرفة مثل ديسكفري وناشيونال جيوفرافيك وغيرها تحتاج إلى اشتراكات باهظة الثمن وليست متاحة أمام المشاهدين العرب بسهولة، مما يجعل السيطرة بشكل أساسي للبرامج السطحية. ولكن من المفيد أن نذكر هنا مثالا مختلفا حيث يتم حاليا التجهيز لعرض برنامج إسمه "نجوم العلوم" وهو من إنتاج مؤسسة قطر للتعليم وهو برنامج يعتمد على أسلوب تلفزيون الواقع حيث تم إنتقاء 16 شابا وشابة عربية قدموا نماذج لابتكارات واختراعات متميزة من بين حوالي 500 طلب، حيث سيتم إعطاء الفرصة لهؤلاء الشباب لعرض نتائج ابتكاراتهم والاعتماد على تصويت المشاهدين لإختيار الفائز منها. هذه التجربة ستكون مفيدة جدا في تشجيع المبدعين العرب على عرض نتائج أعمالهم ومنحهم مساحة كافية من الوقت وإدخال مفهوم التميز عبر الإبداع والعقل وليس عبر المظهر والشكل والغناء والرقص الذي يسود في البرامج العربية. الأمم التي تحقق النجاح هي التي تعمل وتنتج وتقرأ أكثر مما تثرثر على الهواتف الخلوية وتشاهد القنوات الفضائية. القراءة والبحث عن المعرفة في العالم العربي أصبحت عادة أقرب إلى الإنقراض ولا يجرؤ الكثيرون على ممارستها علنا وكأنها نوع من تعاطي المخدرات أو الرذيلة وذلك تخوفا من التعرض للسخرية بينما في أوروبا وأميركا لا يمكن أن تجد شخصا في القطار او المطار أو الباص إلا وهو يحمل كتابا ليستفيد منه بدلا من التلصص على خصوصيات الآخرين، ولكن لا ننسى في النهاية أن هؤلاء "كفار" وحياتهم الاجتماعية "باردة" كما نصفهم ولا يمتلكون مزايا النق والتطفل والثرثرة وإضاعة الوقت الذي نملكها نحن وندافع عنها باستماتة!
الاربعاء, 22 ابريل, 2009
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












