مقالة نشرت في صحيفة الدستور يوم 14 نيسان 2009 تزايدت وتيرة جرائم القتل المرتكبة بحجة الشرف في الأردن في توجه نعتقد وبكل أسف أنه مرتبط بوجود مهرب تشريعي من هذه الجرائم توفره بعض القوانين والرؤى الاجتماعية التي لا تكتفي فقط بايجاد مبررات لهذه الجرائم، بل تقدم مخارج لها يستطيع منها القاتل التهرب من العقاب. هذه الجرائم هي جرائم قتل مع سبق الإصرار والترصد ومع ذلك فإن القانون يقدم للقاتل ذريعة للتهرب من مسؤولية الجريمة بحجة "العذر المخفف". وجود هذا العذر في التشريع يجعل القاتل مرتاحا لوجود مهرب عندما يدعي القاتل أن الغضب قد إنتابه بسبب "السلوكيات الخاطئة" للضحية ويفقد السيطرة على أعصابه ويرتكب الجريمة فيتيح له القانون الحصول على عقاب مخفف خاصة إذا تنازل أهل الضحية عن حقهم الشخصي وهذا ما يحدث في معظم الأحيان بسبب وجود قناعة مؤسفة لدى معظم العائلات أن الذكر قد قام بعمل بطولي. من الصعب الحديث اجتماعيا عن تفاصيل الحالات لأنها تمس خصوصيات العائلات، ولكن مراجعة سريعة للتفاصيل التي سمح بنشرها في وسائل الإعلام وأحيانا من محاضر الشرطة والطب الشرعي تعطي إنطباعا مباشرا بأن ما يحدث هي جرائم قتل منظمة ومبرمجة مبنية على الشبهة وليس الحقائق في أغلب الحالات، وبالتالي فإن العذر المخفف يفقد مبرره وتصبح الجريمة بحاجة إلى أن يتم التعامل معها كجريمة قتل متعمدة. في معظم الحالات يكون القاتل قد هيأ نفسه مسبقا إما بمسدس محشو بالطلقات أو بأداة حادة أو حتى بالخنق باليدين وتحت الماء وهي كلها ممارسات تحتاج إلى تخطيط وتنفيذ وهدوء أعصاب وإرادة ووضوح في الرؤية. وفي واقع الأمر من الصعب لأي شخص أن يقتنع بأن هذه الجرائم تتم بفعل "سورة غضب" فورية! ولكن الضغوطات الاجتماعية التقليدية التي تحيط بسمعة الفتاة في مجتمعنا تجعل من هذه الجرائم موضع إشادة اجتماعية وبالتالي حماية قانونية. هذا الواقع يغضب مجموعة كبيرة من المؤيدين لحقوق الإنسان والديمقراطية والمرجعيات الفقهية الذين يعرفون حقيقة أن الدين الإسلامي لا يقبل ابدا هذه الجرائم ويحتاج إلى أدلة وبراهين لحظية اثناء وقوع جريمة الزنا المفترضة من أجل القصاص، والذي عادة ما يكون للذكر والأنثى معا لأنها شريكان في الخطيئة إذا حدثت فعلا. ولكن المشكلة أن أغلبية المجتمع وحتى الكثير من الشخصيات السياسية والاجتماعية تدافع عن هذه الممارسات، ويمكن لنا أن نعود إلى بعض تصريحات وخطابات ومقالات أعضاء في البرلمان لنجد العجب العجاب من الاتهامات المسبقة للمرأة ومنح الذكر ترخيصا بالقتل تلافيا للفتنة. الكثير من حالات القتل كان سببها الشك والمعلومات الخاطئة، وبعضها كان بسبب خلافات عائلية مالية لا تمت بصلة لا للشرف ولا للأخلاق ولكن تم إستخدام هذا العذر لإرتكاب جريمة التخلص من الأنثى وقتلها مرتين بتشويه سمعتها أيضا. وحتى لو كان القضاء التشريعي قد إستدرك تلك الحقيقة في إيقاع عقوبة أكبر على الجاني في هذه الحالات فإن القضاء الإجتماعي الأشد وطأة بقي محتفظا بالحجة التي تم إستخدامها لتبرير الجريمة. حملات الضغط والتوعية الكثيفة التي تمت في السنوات الماضية لم تغير شيئا في قناعات الناس حول هذه الجرائم والتي لا يزال ينظر إليها بعين العطف والقبول خاصة من قبل الذكور الذين يعتبرون القانون أداة اساسية في قيامهم بدور الوصاية والردع السلوكي على الإناث. ولكن هذه الجرائم هي في نهاية الأمر جرائم قتل ولا يجوز الإحتفاء بها وكأنها بطولة ما إلا أردنا رسم صورة مشوهة عن الأردن وقوانينه وهذا ما يتعارض تماما مع كل الطموحات والشعارات التي تنادي بها الحكومة يوميا. والحل الوحيد هو تعديل على القانون يلغي تماما العذر المخفف ويعامل هذه الجرائم كما تستحق من جرائم قتل متعمد وليحمل الجاني سمعة القاتل لا سمعة البطل المنقذ للشرف كما هي الحالة.
الثلاثاء, 14 ابريل, 2009
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية













من كندا
للأسف هذا الواقع لا يعبر فقط عن الأردن بل يتجاوزه ليشمل المناطق المجاورة.
لا أعرف كم من الضغط يجب أن يمارس أو كم من ضحية يجب أن تقتل حتى يتغير هذا الواقع الذي لا يمت إلى الشرف بصلة.