مرصد الأردن
هنا أكتب ما أريد، بعيدا عن قيود الإعلام التقليدي

نحو ثوثيق منهجي لذاكرة الأردن السياسية

مقالة نشرت في صحيفة الدستور بتاريخ 1 نيسان 2009

 

المقابلة التلفزيونية التي قام بها دولة السيد زيد الرفاعي مع قناة الجزيرة حملت قيمة عالية، ليس فقط من خلال دورها الأساسي في تقديم الرد على مزاعم محمد حسنين هيكل، بل تضمنت وجبة معرفية وثقافية وتاريخية متميزة حول التاريخ الحديث للأردن ودور الملك الحسين بن طلال. ما قدمه الرفاعي كان نمطا جديدا ومقنعا يختلف تماما عن النمط التعبوي "للتربية الوطنية والتاريخ الحديث للأردن" الذي إعتدنا عليه في وسائل الإعلام الرسمية والمناهج التعليمية في المراحل المختلفة.

هذه المعلومات الهامة ربما كانت جديدة على عدد كبير من المشاهدين الأردنيين الذين بقوا لسنوات طويلة أسرى الفلترة الإعلامية الرسمية لتاريخ الأردن، والتي حاولت تقديم خطاب إنشائي مكرر في بعض الأحيان وتجاهل مفاصل مهمة جدا في تاريخ الدولة وكأنها غير موجودة، مع أنها ساهمت في بناء الأردن الحديث وحمايته ويمكن التطلع إليها الآن بالكثير من الإنصاف والمنطق المتجرد من العاطفة الآنية.

المقابلة جاءت ردا على مزاعم محمد حسنين هيكل وهي ليست بالمرة الأولى التي يتم فيها التهجم على التاريخ الحديث للأردن من قبل شخصيات إعلامية ذات نمطية استعراضية تجد قبولا لدى الرأي العام العربي. هذه الشخصيات تحاول إيجاد عناصر من الإثارة تبرر تواجدها على شاشات الفضائية وتجد في الأردن هدفا مباشرا للهجوم لأسباب مختلفة منها العداء الإيديولوجي للدولة الأردنية أو معرفة هذه الشخصيات الإعلامية والسياسية بأن الدولة الأردنية ذات طبيعة متسامحة وغير إنتقامية، بعكس الكثير من الدول الأخرى التي لا تتردد في جعل من يتهجم عليها يدفع ثمنا معنويا وسياسيا وحتى جسديا.

مثل هذا الإفصاح عن المعلومات الهامة في تاريخ الدولة الأردنية ينبغي أن لا يبقى مقتصرا على هذه الحالات من الردود السياسية التي تقتضيها مرحلة ما، بل من الضروري تأسيس ذاكرة أردنية تاريخية وتوثيقية تحفظ المراحل الهامة في تاريخ الدولة وكيفية تعاطي القيادة والمعارضة والرأي العام معها. أن كل عمليات التقييم المنصف والمتحرر من العداء الإيديولوجي للدولة الأردنية أكدت على نجاح القيادة الأردنية في اتخاذ القرارات الصحيحة لمصلحة بقاء الدولة واستدامتها، وبعض هذه القرارات كان غاية في الصعوبة وبعضها الآخر، كما المشاركة في حرب حزيران 1967 التي تم الإعداد لها إذاعيا وإعلاميا لا عسكريا وميدانيا من قبل الأنظمة الثورية كان قرارا أملته الظروف ولم يكن أبدا في مصلحة الأردن.

ليس من المقبول أن يتحمل الأردن وزر نتائج حرب 1967 بهذه الطريقة، خاصة من قبل شخصية سياسية كانت على إطلاع مباشر بتفاصيل صناعة القرار في مصر وتعرف تماما مدى الأخطاء الهائلة التي وقعت فيها القيادة العسكرية في خضم الفوضى وسوء التحضير لهذه الحرب والمعلومات الخاطئة التي كانت تصل إلى غرفة العمليات في الأردن من القاهرة في اليومين الأولين قبل أن تنكشف تفاصيل الكارثة. هذه المعلومات موثقة في معظم المراجع التاريخية ومنها كتاب "أسد الأردن" للمؤرخ الإسرائيلي أفي شلايم والذي استعان به هيكل في هجومه، فهذا الكتاب وما تضمنه من وثائق هامة ورسائل متبادلة بين القيادة الأردنية والمصرية يؤكد الثمن الفادح الذي دفعه الأردن بخسارة الضفة الغربية بسبب سوء التنسيق العسكري والمعلومات الخاطئة التي تم بناء عليها إتخاذ القرارات وخاصة في تحرك القوات الأردنية في القدس، ولكن هيكل أصر على تجاهل تلك المعلومات من كتاب شليم الذي استحضر جزءا منه ووظفه للإساءة إلى الملك الحسين.

ولكن المسألة ليست حول هيكل والرد على شخص يواصل عدائه وإنحيازه ضد الدولة الأردنية منذ أكثر من 50 سنة، بل هي حول أهمية التوثيق الحر والشفاف لتاريخ الأردن الحديث بدون هواجس، وفتح المجال لأجيال عديدة في الأردن لمعرفة هذا التاريخ بوضوح ودقة منهجية بعيدا عن التعبئة والإنشاء، والمسؤولية الأكبر تقع على عاتق الرموز السياسية الأردنية التي صنعت وعاصرت هذا التاريخ وهي يجب أن تتكلم وتوثق وتناقش وتساهم في صنع ذاكرة الأردن السياسية.

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني