قبل شهرين تقريبا كنت في بيروت مشاركا في ورشة عمل حول إدارة المعرفة. هذه الرحلة القصيرة ساعدتني جدا للخروج من دوامة الحيرة المتعلقة بمهنتي، وبينما كان المشاركون في الورشة يسهرون إما في الجميزة أو في الضاحية الجنوبية (كل حسب خياراته) كنت أستمتع بالذهاب إلى مقهى مطل على صخرة الروشة لأقرأ كتابا يمثل السيرة الذاتية للكاتب البرازيلي المشهور باولو كويلهو وهو "إعترافات حاج" ويتكون من مجموعة من المقابلات الصحافية التي يسرد فيها الكاتب بقدر كبير من الجرأة تحولات حياته النفسية والثقافية والعاطفية بشفافية نادرة. على صخرة الروشة ألهمني باولو كويلهو عندما وصف نفسه بأنه "كاتب" وأنه يعيش من أجل أن يكتب. المهنة الوحيدة التي يعرفها هي الكتابة. وبينما كنت اصارع نفسي في محاولة تقبل شروط مجحفة لعمل ممل تيقنت أنني سوف ابقى دائما كاتبا في داخلي. مهما كانت طبيعة عملي فإن الكتابة هي الشغف والدافع الأساسي التي يجعلني استمتع بالحياة، وهذا هو الشئ الوحيد الذي لا استطيع الإستغناء عنه. بعد إستقالتي من العمل وإيجاد عمل آخر يتيح المجال لحرية الكتابة حاولت نشر مقالين لي في الدستور ولكنني شعرت أنههما مقالان ضعيفان ولا يحملان ما هو جديد. توقفت فورا حتى أستعيد التركيز في ماهية الكتابة التي أريدها حتى لا تكون حرثا في بحر ولا تكرارا لكتابات مملة أخرى خاصة في الشأن السياسي. حصلت على إلهام آخر هذه المرة من العالم الأميركي جورج سموت الذي حصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 2006 بعد قيامه بتطوير كاميرا تكشف بقايا الأشعاع الخافت لبداية الكون والذي ساهم في تعزيز نظرية الإنفجار العظيم. جورج سموت قال في مقابلة مع مجلة نيو ساينتست البريطانية أنه كان معتادا على إبداء رأيه في كل شئ تقريبا إلى أن حاز على جائزة نوبل حيث بدأ يقتصر في الحديث عما يفهمه فعلا لأن "الناس بدأت تستمع إليه بجدية"! الفكرة في هذا الكلام الرائع أن هناك مسؤولية في الكتابة والتصريحات. عندما كنت في فترة الغياب عن الكتابة تحولت إلى قارئ ورأيت نفسي من زاوية أخرى. إستغربت وتعجبت كثيرا من كتاب وصحافيين وأشخاص يطلقون أحكاما قطعية في قضايا تتراوح ما بين هجوم إسرائيل على غزة وخصخصة الجامعات الأردنية وتسمم مياه الشرب وتخطيط مدينة عمان وتفسير تراجع المقاومة العراقية والتحذير من خطر الوطن البديل. اي عقل ألمعي موسوعي يستطيع تقديم الآراء القطعية في هذه القضايا وبدون مناقشة وتحليل كاف وبدون معرفة تراكمية؟ في الصحافة الأردنية لا يوجد مفهوم للتخصص وخاصة لدى كتاب الأعمدة، وأنا أعترف بأنني وقعت كثيرا في هذا الفخ. كم من مرة كنت أكتب "من المؤكد" و "لا شك في أن" ومثل هذه العبارات القطعية في قضايا غير مدروسة بدقة وخاصة في السياسة. الكتابة في السياسة في الأردن لا تحتاج إلى المعرفة الأكاديمية ولا التخصص ولا حتى أدوات التحليل المنطقي. يحتاج الكاتب إلى صداقة مع رئيس الوزراء وعشر وزراء وعشرين نائب وخمس رؤساء وزراء سابقين وخمسين وزير سابق يتمنى أن يعود وزيرا و10 أمناء أحزاب، ومن الأفضل أيضا مدير المخابرات وبعد ذلك يصبح كاتبا سياسيا لا يشق له غبار، حتى لو كان ما يكتبه لا وزن له على صعيد المنطق لأن السياسة في الأردن لا يوجد فيها منطق بل شللية. أنا لست صديقا للوزراء والنواب ولا أدخل في الصالونات السياسية وبالتالي تكون كتابتي في السياسة منطلقة من ملاحظات ومحاولات تحليل الوقائع وهذا لا يجدي نفعا. ولذلك فأنني لا أعتبر نفسي مهيئا للكتابة السياسية ومن الأفضل لي ولكل شخص يمكن أن يقرأ لي ولو بالصدفة أن أكتب في القضايا التي أدعي أنني أعرف بها أكاديميا ولدي خبرة في معالجتها أو على الأقل تعتمد على المعرفة والمعلومة والرقم والمنطق وهي القضايا التنموية والعلمية والاقتصادية بشكل عام. هذا الشغف هو الذي يجعلني أكتب في الساعة الثانية صباحا وأتطلع قدما لليوم التالي وما يمكن أن يحتويه من جديد، وأتمنى أن يعرف كل واحد منا هذا الإحساس بالشغف الذي ينقل الشخص من الروتين إلى بذل الجهد نحو التميز، وهو بحد ذاته قيمة تستحق النضال من أجلها فالحياة بدون شغف لا طعم لها.
الثلاثاء, 03 مارس, 2009
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












