لا تزال نتائج استطلاع الرأي العام حول حالة الديمقراطية في الأردن، والتي يصدرها مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية تقدم من مؤشرات الحيرة والتساؤلات أكثر مما تقدمه من الإجابات. وفي هذا الصدد أود أن أؤكد بأنني لا اشكك في منهجية الاستطلاع بقدر ما تعكس النتائج واقع الحيرة والإرتباك الذي يعيشه المواطن الأردني من خلال العينة الوطنية التي تشكل "مختبر" استطلاع الديمقراطية في الأردن. بالرغم من التقدم المتواصل في رؤية الأردنيين لمؤشر الديمقراطية ما بين 1993 و 2009 فإن نسبة كبيرة (74%) لا تزال تعبر عن خشيتها من انتقاد الحكومة علنا دون التأثير على سبل المعيشة أو الحقوق العامة. والواقع أن هذه النسبة كبيرة بل هي أكبر من الحقيقة لو قمنا بإسقاطها على أية "عينة" أردنية موجودة في مضافة عامة أو جلسات عائلية حيث أن الانتقاد الموجه لسياسات الحكومة في السنوات القليلة الماضية يبدو منتشرا في المزاج الشعبي وهو لا يصطدم بحواجز بل اصبح يتصاعد في الحدة والتغطية. ولكن نتائج الاستطلاع تشير بأنه في خارج الأطر العائلية الأمنة تبدو إمكانية انتقاد الحكومة قليلة جدا وهذا يعني مرة أخرى أن صور النشاط السياسي" لا زالت مقتصرة على الروابط العائلية لا المدنية. وبالإضافة إلى ذلك فإنه من الصعب القول بأن السلطة التنفيذية لا تزال تستخدم حاليا أدوات ضغط تتمثل في التضييق على سبل المعيشة والحقوق الأساسية كما كانت عليه في السابق، ويبدو أن هذه النسبة من التخوف هي نتاج إرث سايكولوجي أكثر من كونها انعكاسا لواقع معاصر. واحدة من أهم نتائج الاستطلاع على الإطلاق أن 70% من العينة تعتقد أن معيقات الديمقراطية هي خارجية في المقام الأول. هذا الموقف يعكس نجاحا كبيرا للتيار المضاد للديمقراطية في الأردن والذي حاول لسنوات طويلة أن يفرض التخوف من الشؤون والتحديات السياسية الخارجية ويجعله معيقا للديمقراطية في الأردن، وهذا التيار لا يزال يستمر في التخويف من الخطر الخارجي وهو ينتشر ليس فقط من مراكز القوى التقليدية ولا السلطة التنفيذية ولكن أيضا ضمن فئة من المثقفين والتيارات السياسية المستقلة والتي ترى أن الأردن كدولة وشعب غير جاهز لتحديات الديمقراطية بسبب الظروف الخارجية. النتيجة الاساسية لهذا التوجه هي تأجيل البت والحسم في خيارات الإصلاح السياسي إلى أن يتم "حل" التحديات الخارجية وهذا يعني ببساطة "تجميد" الديمقراطية في الأردن إلى أجل غير مسمى وجعلها رهينة لظروف خارجية لن تتغير نحو الأفضل على المدى المنظور بل قد تصبح أكثر سوءا. وعلى سبيل المثال فقد ارتفعت نسبة الذين يعتقدون ان استمرار الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي هو معيق للديمقراطية في الأردن من 8% إلى 24% ما بين 2008-2009 وهنا لا بد من التأكيد بأنه بالرغم من أن سياسات الحكومة الإسرائيلية اليمينية ساهمت في ارتفاع نسبة الشكوك من قبل المواطنين الأردنيين بإمكانية فرض حل غير مقبول على الأردن فإن الحوارات التي لا تتحلى بالمسؤولية والتي انتشرت في وسائل الإعلام المحلية في العام الحالي ساهمت في زيادة قلق الناس والترويج لنظرية أن اي انفتاح ديمقراطي في الأردن سيشكل تهديدا للأمن الداخلي واستقرار الدولة نتيجة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي. نفس هذا المزاج الشعبي يظهر من ارتفاع التخوف من الوطن البديل من 4.3% إلى 9%. أما المعيقات الفعلية للديمقراطية في الأردن فقد تراجعت بشدة في الاستطلاع وهي انتشار الفساد المالي والإداري والواسطة والمحسوبية (من 18% إلى 6%) و عدم رغبة أصحاب المصالح السياسية في وجود ديمقراطية بالأردن (من 4.7% إلى 3%) و عدم رغبة أصحاب المصالح الاقتصادية الكبيرة في وجود ديمقراطية بالأردن (من 5.2 إلى 2%) وكذلك وجود النظام العشائري في المجتمع (من 7% إلى 2%) وهي كلها تشكل نسبا مهمة من التغير "الإنكاري" الذي يحاول التهرب من المعيقات الداخلية نحو المعيقات الخارجية. حيرة المواطن وارتباكه فيما يتعلق بالديمقراطية ليس فقط نتيجة لعدم وجود ثقافة توعية ديمقراطية ولا الإرث الاجتماعي المتخوف بل يعكس ايضا فشل النخبة المثقفة من السياسيين والإعلاميين في نشر المفاهيم الحقيقية للديمقراطية والرغبة في تقديم الإجابات السهلة والمقبولة اجتماعيا بدلا من الحقائق التي تكون مستفزة وصادمة في معظم الأحيان!
الاربعاء, 30 ديسمبر, 2009
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية













حيد عن الراس واذرب