في لحظات معينة من الحياة، يظهر أشخاص يتركون بصمة رائعة على حياة الآخرين، ويضعون أنفسهم في مكانة خالدة في كتاب الأخلاق والقيم والإنسانية ويشكلون نماذج مرجعية تثبت أن الإنسان مجبول على الخير والعطاء، مهما أصبحت متطلبات التنافس والاستهلاك تؤدي إلى إنتشار الجشع والأنانية. مثل هؤلاء الأشخاص هم علامات مضيئة وقدوة لكافة الناس كبارهم وصغارهم وأولهم أولئك الذين ينظّرون يوميا في الدعوة إلى الأخلاق والقيم. آخر النماذج في مجتمعنا الأردني لهؤلاء الناس كان الشاب المرحوم عبد الله أبو طويلة والذي وهب من خلال وصيته بالتبرع بأعضائه الأمل في الحياة الهانئة لعدة أشخاص آخرين كانوا على وشك فقدانذلك الأمل. التزام والدي المرحوم بوصيته الشفهية كان بلا شك خيارا شجاعا وقاسيا ولكنه الخيار الذي أراده المرحوم وجعله في نظر الجميع مثالا للسمو والنبل ونموذجا جعل 6600 شخص يلتزمون بالتبرع بأعضائهم في حال الوفاة خلال ثلاثة ايام أعقبت تغطية وسائل الإعلام لتبرع المرحوم أبو طويلة، وما كان لأية حملة توعية ولا حتى قانون أن يجبر هؤلاء على القيام بخيار التبرع لولا أنهم استلهموا المثال من نموذج عبد الله أبو طويلة. من المهم أيضا الإشارة إلى قضيتين مهمتين في هذه الحالة من التبرع بالأعضاء. إحدى عمليات الزرع التي تمت بفضل تبرع المرحوم أبو طويلة كانت أول عملية زراعة لكبد في الأردن بإيدي أردنية وهو أيضا إنجاز طبي ما كان ليحدث لولا المأثرة التي قام بها المرحوم وأهله في منح كبد في حالة ممتازة وضمن الشروط الطبية المطلوبة لشخص كان على وشك فقدان الحياة. القضية الثانية أن ذوي المرحوم أكدوا أن الأعضاء متاحة للجميع بغض النظر عن العرق والجنس والدين، وفي ذلك موقف إنساني رائع لأنه حتى في الدول الأوروبية والولايات المتحدة لا تزال نسبة من المتبرعين تطلب اقتصار التبرع على عرق معين أو دين معين، ولكن في حالتنا هذه تم تجاوز كل هذه الحدود وكانت الرؤية إنسانية شاملة. لم تخسر عائلة عبد الله ابو طويلة إبنها فحسب بل خسر الأردن نجما في التايكواندو وطبيبا في المستقبل كان من المؤكد أنه سينجح نتيجة إيمانه العميق بأخلاقيات مساعدة الآخرين وشابا متميزا في سلوكه وأخلاقه وعلمه في وقت بات فيه من الصعب على جيل الشباب امتلاك مثل هذه المنظومة من الأخلاقيات. ولكن المرحوم ترك وراءه بصمة إنسانية خالدة وأملا جديدا لمن حظي بأعضائه من المرضى ولذلك فهو يستحق تكريما خاصا لا يقل عن إنشاء جائزة سنوية بإسمه تمنح لأفضل حالة من العطاء والإيثار ومنح الأمل للآخرين في المجتمع الأردني لأننا بحاجة ماسة إلى هذه النماذج.
الاحد, 20 ديسمبر, 2009
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












