مرصد الأردن
هنا أكتب ما أريد، بعيدا عن قيود الإعلام التقليدي

الصدمة السويسرية

ليس من قبيل المبالغة القول بأن "قرار" الناخبين السويسريين وبنسبة 57% حول عدم بناء مآذن جديدة لمساجد في سويسرا يعتبر أخطر مؤشر على الصدام الثقافي والحضاري ما بين الهوية الأوروبية والهوية الإسلامية في أوروبا. صحيح أن هناك مؤشرات يعتبرها بعض المسلمين خطيرة وحدثت في سنوات سابقة ولكن الحالة السويسرية مختلفة.

في فرنسا قررت الحكومة منع مظاهر الديانات جميعا (وليس الحجاب فقط) في المدارس والجامعات العامة (وليس الخاصة) وذلك انسجاما مع مبادئ العلمانية في فرنسا، وهذا التوجه كان حكوميا وموجها لكافة الديانات. في الدنمرك قامت صحيفتين ومجموعة من الرسامين بالإساءة إلى الرسول عليه الصلاة والسلام وقامت الحكومة الدنمركية بحماية هذا التصرف بحجة "حرية التعبير" والتي تنتهك أيضا المقدسات المسيحية (ولكن ليس اليهودية!) وفي ألمانيا قام شخص بدافعى فردي بقتل المسلمة المحجبة مروى الشربيني ولكن القضاء الألماني تدخل بقوة ووضوح وأصدر الحكم الأشد في القانون الألماني على القاتل.

في سويسرا قامت غالبية المواطنين (وليس الحكومة أو وسيلة إعلام أو أفراد) بتقديم موقف جماعي عنصري موجه ضد رموز الإسلام بشكل خاص، وبما يتناقض مع مبادئ حرية التعبير الديني والعلمانية ولقي ذلك دعما من الحكومة مما يعكس وجود نسبة كييرة من التعصب والتخوف من الإسلام في سويسرا، وما يزيد الأمور سوءا أن الحملة التي قادها اليمين السويسري كانت مبنية على دعاية بغيضة شبهت مآذن المساجد بصواريخ تهدد الأمن في سويسرا.

لم تمر المسألة بهدوء في أوروبا، وكانت هناك اعتراضات واضحة من قوى سياسية ومنابر إعلامية في سويسرا وتقريبا كافة ردود الفعل الأوروبية كانت سلبية باستثناء اليمين في هولندا والذي طالب باستفتاء مشابه كما دان الفاتيكان وكافة منظمات حقوق الإنسان هذا الإستفتاء حماية لقيم ومبادئ الحرية الدينية. الرد الأوروبي السلبي لم يكن مجاملة للمسلمين وإن كان يمكن التعامل معه بتقدير ولكنه كان حماية لقيم العلمانية الأوروبية التي يجب أن تكفل حرية العبادات والشعائر والرموز الدينية.

المجتمع الإسلامي في سويسرا وأوروبا محق تماما في اعتراضه الشديد على هذا الإستفتاء ومن الضروري تنفيذ نشاطات سياسية وشعبية وإعلامية ضاغطة ضد القرار السويسري ولكن الأفضل هو أن يأخذ مسلمو أوروبا القيادة في هذه الحملة لأنهم الأشد إدراكا لواقع معيشة المسلمين في أوروبا والقوانين التي تحكم الحريات العامة هناك، وربما يكون أفضل ما يمكن تقديمه لمسلمي أوروبا هو التخفيف من حدة ردود الفعل ذات الطابع التحريضي والعنيف التي تجوب بعض الشوارع في العالم العربي والإسلامي والتي لن تحقق إلا مزيدا من التعصب ضد المسلمين في أوروبا.

دور المسلمين في كافة أنحاء العالم العربي والإسلامي مهم الآن في تقديم الإسناد الإعلامي والسياسي والاقتصادي والثقافي لمسلمي أوروبا في جهودهم المنظمة لتوسعة مجال حقوق المسلمين وحرياتهم ضمن الدول الأوروبية والتي باتت تتعرض الآن للكثير من التهديدات من قبل النمو المتعاظم لليمين والتعصب الأوروبي، وهذه الجهود تحتاج إلى تنسيق مع كافة المؤسسات الأوروبية المعنية بضمان الحريات العامة والتي تتمتع بالتأثير الأكبر على صناعة القرار في أوروبا والاستمرار في تطبيق سياسات الاندماج والتنوع التي تميز المجتمعات الأوروبية وتمنح المسلمين فيها الكثير من الحريات والفرص التي يجب الحفاظ عليها.

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 02 ديسمبر, 2009 04:29 م , من قبل M D
من ألمانيا

أعتقد أن الدور الحقيقي الذي يجب أن يقوم به المسلمون الأن هو تحسين صوره الإسلام عن طريق تغيير الكثير فيه الذي في الحقيقة لا يمت للإسلام بصلة .
قبل بضعة أشهر ثارت حملة كبيرة في برلين تتساءل عما يفعله المسلمون في ألمانيا، وقد ثار سؤال مهم حينها وهو : لماذا تستطيع اقليات كثير التأقلم بسهولة في ألمانيا بينما لم يستطع الجيل الثالث من المسلمين المولدين في برلين حتى الآن بالتأقلم مع الحياة هناك. وقام حينها أحد السياسيين بعمل دراسة ملخصها أن القرأن يمنع المسلمين من إتخاذ اليهود أو النصارى كأصدقاء . كيف إذاً نريد من الأوروبين إحترام ديانتنا إذا لم نكن نحن نحترم ديانتهم . بالإضافة إلى ذلك كنت قرأت وسمعت من الأخبار خلال الايام السابقة أن اليمين السويسري شدد على تذكير الناس بأن الاسلام هو المرأة مسلوبة الحقوق ، المرأة المسجونة داخل لباسها ، بالإضافة إلى الكثير مما إلتصق بالإسلام بسبب العادات غير الانسانية التي يقوم بها المسلمون . إذاً هنالك سبب ملموس لخوف الاروبيين من الإسلام . لو كان اليهود يسيؤون للمرأة كما نفعل، ويستعملون إسم الدين لأغراض غريبة عنه، لكان رد فعل الأروبيين تماماً كما هو الأن موقفهم منا. المشكلة إذاً ليست ردة فعل الأوروبي، بل فعل المسلم وطريقة تربيته.هذا الفعل هو الذي أوصل الأروبي لأن يخل بحقوق الانسان التي يعترف بها في دستوره. أرى هنا وهناك الكثير من المسلمين في ألمانيا وأعرف جيداً طريقة تفكير اغلبهم وأظن أن امامنا طريق طويلة لصيانة ما جرى للإسلام وحينها اعلم جيداً أن أوروبا لن تكون خائفة من إظهار منبر مسجد في أي مدينة.




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني