مرصد الأردن
هنا أكتب ما أريد، بعيدا عن قيود الإعلام التقليدي

وصفي التل: الحنين إلى النزاهة

منذ عدة سنوات تتزايد مشاعر الحنين إلى تراث الشهيد وصفي التل في صفوف الشعب الأردني، حتى بالنسبة إلى ثلاثة أجيال لم تعاصر وصفي التل أثناء تحمله لمسؤولية قيادة الحكومات الأردنية في المراحل الصعبة التي مر بها الأردن في الستينات والسبعينات من القرن الماضي. لا يختلف إثنان على أن وصفي التل هو من أهم خمس شخصيات صنعت الدولة الأردنية وحافظت عليها في أشد الظروف قساوة وصعوبة. وفي الواقع قد يكون وصفي التل بالذات هو أكثر من تصدي للمسؤوليات الجسيمة التي تطلبت اتخاذ قرارات صعبة وتاريخية كانت شبه حتمية من أجل استدامة الدولة الأردنية، وهذه القرارات والسياسات هي التي جعلته رمزا خالدا في تاريخ الدولة، ولكنها أيضا ساهمت في أن "يتخاطف" تراثه الكثير من الجماعات والشخصيات التي حاولت توجيه هذه السياسات نحو "توجهات معاصرة" تختلف ربما في أسبابها عن الأسباب والقناعات التي حفزت قرارات وصفي التل.

حاولت بعض الشخصيات السياسية التي أنتجتها فورة النمو الاقتصادي سواء في الثمانينات أو السبعينات التشبه بوصفي التل، وحاولت بعض التيارات السياسية استخدام وصفي التل رمزا لها حتى وهي تطرح أفكارا بعيدة تماما عن قناعات الشهيد العروبية وهذا ربما كان من أشد أنواع الإساءة إلى تراث الشهيد، فالذي يعشق وصفي التل ويتمثل به يجب أن يكون عروبيا وطنيا نظيفا ونزيها في المقام الأول وما لم تتوفر هذه الصفات فإن مجرد التشبه به يعتبر خطيئة.

حمل الشهيد وصفي  التل عبء القضايا السياسية والعسكرية في المنطقة على كتفيه، وكان دائما هو السباق إلى تحمل مسؤولية قرارات تحتاج إلى الكثير من الشجاعة والحكمة وتعنى تداعياتها أن عليه أن يدفع الثمن لا أن يكسب الثمن. وهكذا كان انخراطه في صفوف المتطوعين العرب في جيش الإنقاذ عام 1948 ليشارك عسكريا في الدفاع عن فلسطين، وهكذا كانت قراراته الجريئة في إدارة الدولة الأردنية وتوجيه مواردها نحو التنمية والاكتفاء الذاتي والاستقلال والتركيز على أبقاء جذوة الكفاح المسلح وتمكين الجيش العربي من مواجهة إسرائيل، وهكذا أيضا كانت توجهاته بعدم المشاركة في حرب 1967 والتي كان من الصعب تقبلها سياسيا ولكن الأيام اثبتت مدى صحتها عسكريا واستراتيجيا. وهكذا أيضا كان تصديه للمسؤولية الصعبة والهائلة في قيادة مجهود حماية استقرار وأمن الدولة الأردنية عندما كانت الفوضى تدب عام 1970 وهي المسؤولية التي بقي يحملها طوال تاريخه ودفع ثمنها حتى بعد موته، ولكنه كان من القلائل الذين تحلوا بالشجاعة والثقة التامة بالدولة الأردنية لتنفيذ دور لا غنى عنه لبقاء الأردن مستقرا مستقلا، وهو قرار أثبتت الأيام ايضا بأنه لم يكن هناك مفر منه.

 

وعلى الصعيد الداخلي كان وصفي التل أبرز رؤساء الوزراء الأردنيين في محاربة الفساد، ولم يجمع بين السياسة والتجارة والمصالح الخاصة، ولم يبن الشركات والاستثمارات بل بقي دائما في تواضعه الأردني المعروف وبقي وفيا لمهامه السياسية وحمايته للدولة الأردنية، وبالنسبه إليه كان منصب رئيس الوزراء تكليفا ومسؤولية لا تشريفا. كما أن جهود الشهيد التل في التنمية الوطنية ومشاريع البناء والتشجير ونقل التنمية والخدمات العامة إلى كل قرى الأردن وبواديها كانت هي حجر الأساس لكل التنمية الحديثة في الأردن.

 

الحنين إلى تراث وصفي التل هو حنين أردني إلى قيم النزاهة، والتي جسدها وصفي التل عندما عاش متواضعا وبسيطا وقريبا من الناس، وهي صفات اجتمعت ايضا لدى الكثير من رؤساء الوزراء من رجال الدولة الحقيقيين بالرغم من اختلاف التوجهات السياسية بينهم حيث كان رجال مثل هزاع المجالي وسعيد المفتي وسليمان النابلسي وتوفيق أبو الهدى ووصفي التل مختلفين تماما في السياسات ولكن جمعت بينهم صفات النزاهة ونظافة اليد.

 

ربما يختلف الأردنيون على كثير من القضايا ولكنهم يجمعون على حب وصفي التل وعلى ضرورة العودة إلى قيم النزاهة في إدارة الدولة الأردنية، وقيم وضع المصالح العامة قبل المصالح الخاصة وهذا هو التراث الحقيقي للشهيد وصفي التل.

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني