مرصد الأردن
هنا أكتب ما أريد، بعيدا عن قيود الإعلام التقليدي

سمات الفساد في العالم العربي

أصدرت مؤسسة الشفافية الدولية تقريرها السنوي حول مدركات الفساد في العالم والذي يصنف كافة دول العالم من حيث ممارسة الفساد فيها وفقا لطائفة من المؤشرات. وكالعادة كانت الدول العربية تحتل مواقع متأخرة في هذا الترتيب، وأن كانت قد شهدت بعض التحسن عن العام الماضي. حققت الإمارات العربية المتحدة الترتيب الأفضل عربيا بوجودها في الموقع الثلاثين، وتلتها عمان في الترتيب 39 ومن ثم البحرين في المركز 46 وبعدها الأردن في الترتيب 49 وهو في إعتقادي الخاص ترتيب متقدم ربما يضع علامة استفهام على المؤشرات المستخدمة من قبل المنظمة!

بقية الدول العربية جاءت في مراكز متأخرة تتناسب مع الواقع. وربما يكون أطرف ما في هذه اللائحة تعادل مصر والجزائر في المركز 111 من قائمة الدول من أصل 180 دولة وهذا تعادل جديد للدولتين بعد تعادلهما في تصفيات كأس العالم، ولكن لا توجد مباراة فاصلة هنا لأن الكل خاسر. بالطبع لا يمكن أن تخلو قائمة العشر الأواخر من الدول العربية حيث جاءت العراق والسودان والصومال ضمن آخر عشرة دول في ترتيب الفساد.

الفساد ظاهرة موجودة لدى كافة الدول، ولكن تختلف الدول والأنظمة الإدارية في درجة مكافحتها للفساد، وتتباين ما بين بريطانيا التي يتم فيها توجيه مخالفة سير بدون تسامح مع وزيرة بسبب استخدام الهاتف الخلوي أثناء قيادة السيارة  -لاحظوا أنه لا يوجد سائق للوزيرة- وما بين دول يقوم فيها مسؤول بالاعتداء على شرطي سير أثناء قيامه بواجبه، نقصد قيام الشرطي بواجبه!

ولكن الدول العربية تشترك في بعض السمات المميزة للفساد والتي هي انعكاس لخصائص المجتمعات فيها وخاصة سمة تعارض المصالح والمحاباة الاجتماعية. كل الدول العربية تقريبا لم تتجاوز مراحل العلاقات القبلية والعشائرية. ويعتبر تعارض المصالح والمحاباة والمحسوبية والواسطة على أسس عائلية أو عشائرية سمة من سمات المجتمعات ذات الطبيعة القبائلية حيث أن القبائل والعائلات الكبيرة وذات النفوذ تستطيع أن تمارس الضغط لمنح أعضاءها فرصا أكبر لتقلد المناصب الرسمية. وفي هذا السياق توجد علاقة وثيقة بين الفساد ومظاهر تعارض المصالح والمحسوبية والمحاباة والواسطة، التي تخلق جوا من عدم الثقة بسبب الاعتماد على الروابط الشخصية والعائلية بدلا من معايير الكفاءة والخبرة في التجنيد للوظائف العامة.

بالرغم من انتشار مظاهر تعارض المصالح والواسطة والمحسوبية في الوطن العربي، إلا أنه لا يتم حتى الآن التعامل معها قانونيا وإداريا على أنها من مؤشرات الفساد، وأنها تتعارض من المساواة في حقوق المواطنة مثل المساواة في الحصول على الخدمات، والحق في التنافس الحر على الوظائف. كما لا تتوفر دراسات معمقة حول مدى انتشار الظاهرة وخطورتها، وتحديدا تأثيرها على ثقة الجمهور في نزاهة الجهاز الحكومي وفي مدى تمثيله لمصالح الجميع بدون تمييز.

من أخطر ظواهر الفساد المستندة إلى المحاباة وتعارض المصالح ظاهرتان تشكلان أكبر أداة لنهب المال العام ضمن ستار من "الفساد القانوني" والذي من الصعب ملاحقته قضائيا ولكنه واضح المعالم بناء على المحاباة.

الحالة الأولى هي قضايا تنظيم الأراضي، حيث يطلع بعض كبار الموظفين على مخططات التنظيم الهيكلي في السنوات القادمة ويقومون بالإيعاز لأقارب أو شركاء بشراء الأراضي خارج التنظيم بأسعار متدنية وهم يعلمون أن الأسعار سترتفع بطريقة خيالية في المستقبل القريب فور إعلان قرارات التنظيم. هذا الفساد ساهم في حصول بعض المسؤولين على أموال خيالية بسبب "المعرفة المسبقة" بالمخططات ولكن لا توجد وسائل قانونية فعالة لتعقب هذه الممارسات وتجريمها، في حال تم امتلاك الإرادة لهذا التحقيق اساسا!

الحالة الأخرى هي الفوز بالعطاءات العامة والتي عادة ما تكون لصالح وزراء سابقين ونواب ووزراء عاملين استثمروا نفوذهم لصالح شركاتهم ومكاتبهم الاستشارية. ولكن الفساد لا يقتصر فقط على كبار صناع القرار في هذه العطاءات حيث يكون هناك سلطة كبيرة لبعض الموظفين اصحاب الدور المركزي. حيث يملك بعض الموظفين سلطة وصلاحية البت في المناقصات والتحكم في مواصفات لمواد وخدمات تزودها شركات خاصة بأقاربهم أو أصدقاءهم، أو القيام بمشتريات غير ضرورية بهدف تنفيع أقارب أو أصدقاء، أو تحديد مواصفات تعجز عن توفيرها شركات خارج نطاق معين، وأحيانا يتم وضع المواصفات بالتنسيق مع شركات وأشخاص لكي تتم إحالة العطاءات عليهم بدون منافس.

لدى دوائر مكافحة الفساد في البلاد العربية الكثير من المسؤوليات، أعانهم الله عليها!

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني