مقال ممنوع من النشر لم تكد تداعيات حادثة وفاة الشاب صادم السعود تخفت تدريجيا، واعتقدنا بأننا جميعا قد تعلمنا شيئا مما حدث حتى جاءت الحادثة المؤسفة الثانية، والأكثر قسوة في وفاة المرحوم فخري الكناني بسبب تعرضه للضرب من قبل أفراد من الأمن، بالرغم من أنه لم يكن أصلا مطلوبا ولا معنيا بعملية التنفيذ القضائي التي إنتهت بشكل مأساوي، وتمكن فيها المطلوب من الفرار وتوفي المرحوم بسبب الضرب المبرح. كلنا حريصون على الأردن وحريصون على الأمن والاستقرار والذي هو نعمة من المهم الدفاع عنها حتى النهاية، فهي العامل الأساسي الذي سيحمي أولادنا ومستقبلهم في دولة يتم فيها تطبيق القانون بشكل حازم وعادل. لقد ورثنا هذه الأسس في أمن الدولة منذ عدة سنوات وواجبنا الآن أن نحافظ عليها ومن أجل ذلك لا بد من الحديث والصريح والتشخيص الدقيق للأسباب التي تؤدي إلى هذه الحالات المؤسفة من تعرض المواطنين لضرب وأذى غير مبرر من الامن العام أثناء قيامهم بواجبهم الأمني، ومن ثم الإنفلات الجماعي في الإعتداء على ممتلكات الامن والممتلكات الخاصة التي يصدف أن تكون مجاورة، وهي حالات اعتداء عادة ما يتم التسبب بها من قبل أرباب سوابق يحاولون تصفية حساباتهم مع الأمن. العدل هو أساس الحكم، والمؤسسات الأمنية شرط أساسي للدولة المستقرة. كل الدول التي تفقد السيطرة على الأمن الداخلي تكون قد فشلت في منح الامن السلطة المطلوبة لضبط الخروج على القانون. ولكن الأمن أيضا يجب أن يكون عادلا فلا يتم التمادي في استخدام العنف الجسدي وأن يقتصر استخدام العنف على الحد الادنى المطلوب لحماية حياة أفراد الامن أثناء تنفيذ العمليات الأمنية ومنها تعقب المطلوبين وإلقاء القبض عليهم. بنفس هذه المعادلة ليس من المقبول أن يتم حماية المطلوبين أمنيا من قبل أصدقائهم وعائلاتهم ومنع الامن من إلقاء القبض عليهم وإلا أصبح المجتمع في حالة فوضى. كل شخص يتجاوز القانون يجب أن يكون معرضا للمساءلة وكل أمر للتنفيذ القضائي يجب أن يتم بدقة وحزم وإلا أصبح المطلوب الذي يتمتع بعائلة قوية "متضامنة" معه قادرا على التهرب من دفع ثمن أخطائه بينما لا يتم تطبيق القانون إلا على المطلوبين الضعفاء غير القادرين على حشد الدفاع العائلي عنهم. هذه معادلة ليست سهلة ولكن تم تطبيقها بنجاح في الأردن خلال عدة عقود. أن مكانة رجل الأمن في المجتمع في غاية الأهمية لأنه الجهاز الأمني الذي يوفر الحماية للناس سواء حماية حياتهم أو أرزاقهم أو ممتلكاتهم وبدون ذلك سوف يلجأ الناس إلى علاقاتهم الأسرية من أجل الحماية وهذه عادة ما تكون مبنية على قاعدة أنصر أخاك ظالما أم مظلوما. وفي حال أصبحت السيادة لهذه القاعدة فإن مقياس الأمن والحماية سوف يكون حجم العائلة وليس قانون الدولة والاجهزة الأمنية. يرتكب أفراد الأمن الأخطاء أما بحكم التوتر أو الغضب الناجم عن عدم التمكن من تطبيق القانون، ولكن منهم أيضا من يحمل طاقة إنفعالية لا بد من ضبطها بالتقويم السليم من قبل الأمن العام حتى لا تنفجر على شكل إساءات للمواطنين. هذه الفئة هي التي تهدد سلطة الأمن العام وتجعله عرضة للدخول طرفا في مشاكل اجتماعية. ومع تقديرنا التام لفلسفة الأمن العام في ضرورة تحمل المسؤولية التضامنية عن الأخطاء فإن المسؤولية يجب أن تقع على الفرد أو الأفراد المخطئين وليس على مؤسسة الأمن العام ككل. تحاول بعض التحليلات الربط ما بين زيادة نسبة الجاهزية للعنف الاجتماعي وحتى ضد الأمن العام مع تراجع الدور السياسي والاقتصادي للحكومة المركزية ونمو السلطة في الأطراف، ولكن ذلك يحتاج إلى دراسات اجتماعية دقيقة وليس إطلاق الأحكام المتسرعة. وفي خضم هذا النقاش يصبح الحديث عن دور العشائرية حساسا جدا ومسببا للإنفعال حتى بين المثقفين والإعلاميين حيث أن منهم من يضع اللوم على العشائرية ومنهم من يحاول حمايتها وتبرئتها من العنف الاجتماعي، ولكن كلا الطرفين لا يقدم تحليلا مدعوما بالأرقام والمؤشرات الاجتماعية لأنها ببساطة غير موجودة حتى الآن. لا بد من العودة إلى معادلة العدل والحزم في تطبيق القانون بحيث يكون هناك حرص تام على احترام حقوق الإنسان أثناء تنفيذ الواجبات الأمنية وفي المقابل الاحترام التام لواجب الأمن وحقه في إلقاء القبض على المطلوبين والتحقيق معهم لتطبيق القانون والاستمرار في حماية المجتمع. يبدو هذا أسهل قولا من الفعل ولكنها معادلة تم تطبيقها بنجاح وتعرضت للخلل مؤخرا، فهل نحن قادرون على الجرأة والصراحة مع أنفسنا لكشف سبب الخلل؟
الاثنين, 16 نوفمبر, 2009
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












