مطلوب أن يجتمع أفضل الحكماء في الأردن من أصحاب الخبرة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحرص التام على مصلحة الوطن للتباحث المفتوح والصريح حول التزايد المفزع لحالات العنف الاجتماعي التي يسقط ضحيتها مواطنون لأسباب تبدأ بمشاجرات اجتماعية، ويصبح فيها الأمن العام جزءا من المشكلة بينما يحاول القيام بواجبه في ضبط الأمور، وتنتهي بانفعالات حادة تتضمن تجاوزا على هيبة الدولة ممثلة بالمنظومة الأمنية والقانون المدني، إضافة إلى الإعتداءات على الممتلكات الخاصة. هناك لائحة طويلة وجاهزة مسبقا لتفسير أسباب هذا العنف وهي تستخدم من قبل الكثير من المحلليين والإعلاميين وأهمها إنتشار الفقر والبطالة والإحباط الاجتماعي وتراجع الدور السياسي والاقتصادي للدولة وتزايد تباين الدخل بين الفئات الاجتماعية المختلفة وتفوق المنظومة العائلية العشائرية على سيادة القانون. كل هذه الاسباب منطقية وصحيحة ولكن من المهم تفكيكها وترتيبها بشكل يمثل النتيجة والسبب حتى نعرف الدافع الرئيسي وراء التراجع في قدرة الدولة على فرض سيادة القانون بشكل عادل ومتساو على جميع المواطنين كما يؤكد الدستور الأردني، وهي قدرة كانت تعتبر الأفضل على المستوى الإقليمي وتمت ضمن إطار من الثقة والوضوح التام لحدود الحقوق والواجبات والمسؤوليات. إنتهى النزال الذي ساد الساحة الأردنية في العام الماضي فيما يتعلق بالولاية الدستورية للحكومة مقابل نمو سلطان رأس المال والإستثمار، ولكن بعد ذلك تزايدت حالات العنف الاجتماعي والتجاوز لسلطات وصلاحيات الدولة من خلال ولاءات جهوية متحركة بفعالية وتأثير وتزداد ثقتها وقدرتها على تحدي القانون والاجهزة الأمنية خاصة عند حدوث أخطاء في إدارة الازمات تؤدي إلى أضرار بشرية وعدم وضوح المسؤولية. قيام الأمن العام كجهاز متكامل بتحمل مسؤولية تضامنية في بعض الحالات كما حدث في القضية الأخيرة في حي الطفايلة جعل الأمن العام طرفا في أزمة كبيرة بعد أن كان يحاول القيام بواجبه الأمني في حل قضايا يومية متكررة وأخذت الأمور منحى سيئا في إدارة الأزمة. إلقاء اللوم على "غياب البعد السياسي في إدارة الأزمات" ليس كافيا، ولا بد من الصراحة في الحديث عن الوجه الثاني من العملة وهو تزايد حدة الانتماءات الجهوية والهويات الفرعية، وهو حديث لا يجلب لصاحبه إلا المتاعب والتشكيك من قبل الرأي العام ولكنه واجب على كل من يحمل قلقا حقيقيا ومخلصا على مستقبل العلاقة بين الدولة والمواطن ضمن أطر سيادة القانون في الأردن. الحزم في تطبيق القانون مهم ولا يمكن التساهل بشأنه ولكنه ايضا يتطلب الحرص على عدم الإيذاء حتى لو تجاوزت الظروف الحد الممكن من السيطرة وفي تفاصيل إدارة الأزمة لا مناص من الالتزام بالقانون المدني وعدم السماح للانفعالات بأن تطغى على الحوار خاصة أن معظم حالات العنف وتجاوز القانون والاعتداء على الممتلكات العامة تحدث من قبل فئات قليلة ومحدودة ضمن "المنظومة الاجتماعية الأوسع" التي تجاهر بغضبها نتيجة الحالات التي يسقط فيها ضحايا من أبناء هذه الفئات وهي غضبة حق ولكن من المهم أن لا يسمح لها بالتحول إلى باطل عن طريق انفلات وتصفية حسابات مع الأمن العام من قبل فئات محدودة قد يكون من المحرضين فيها اصحاب السوابق الأمنية وليس المواطنين العاديين. القانون هو الذي يجب أن يسود على الجميع سواء في ممارسات وأداء السلطة التنفيذية والمنظومة الأمنية أو على المواطنين والتجمعات الاجتماعية المختلفة. ولكن المفتاح الرئيسي لتطبيق القانون هو العدالة والمساواة في الحقوق التي كفلها الدستور لجميع المواطنين ومنها الحقوق أثناء الاعتقال والإحتجاز الأمني إضافة إلى المسؤوليات تجاه الدولة وأهمها تحريم ورفض المساس بالمنظومة الامنية وعدم تعطيل ومنع الأمن من القيام بواجبه، ويستوي في ذلك المواطنون والمسؤولون والشخصيات العامة ومنهم ايضا من يتجاوزون صلاحياتهم ويحاولون المساس بدور رجال الامن واولويات تطبيق القانون.
الاربعاء, 11 نوفمبر, 2009
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












