تدخلت العدالة الإلهية بحق كافة المخططين والمرتكبين للجريمة البشعة التي تعرض لها هذا البلد الآمن في ليلة التاسع من تشرين الثاني 2005 فمنهم من قتل ومنهم من يبقى مسجونا ليدفعوا ثمنا لجريمة وقع ضحيتها ستون بريئا وشهيدا في عمان وما زلنا حتى الآن وإلى الأبد نرفض التسامح والنسيان بشأنها لأنه في اليوم الذي نتسامح فيه مع التحريض والتخطيط لمثل هذه الجرائم، سيصبح البلد معرضا لها مرة آخرى. ولكن بعد أربع سنوات على الجريمة لا زالت تداعياتها ماثلة ماديا وجسديا لدى الكثيرين من الضحايا الناجين ومنهم من فقد قدرته على الحركة ومنهم من فقد مورد رزقه ومنهم من يعيش مع أحزان سرمدية بخسارة الأحبة في ذلك اليوم المشؤوم. لقد قدم المجتمع والدولة في الأردن الدعم لهؤلاء الضحايا ولكن المطلوب أكثر من ذلك لأنهم بدمائهم الزكية والطاهرة حققوا نتيجة في غاية الأهمية من خلال إزالة كافة أنواع الغشاوة عن عيون الأردنيين تجاه تنظيم القاعدة والذي كان البعض يعتبر أنه تنظيم مناضل وشرعي قبل هذه الجريمة التي بينت أنه ليس إلا تجمعا لمجموعة من المجرمين. هذه الجريمة ساهمت في تخلي كافة الأردنيين تقريبا عن التأييد اللفظي الذي كان البعض يقوم به للقاعدة ومثيلاتها من تنظيمات السلفية الجهادية الموجهة ضد الأبرياء من المسلمين وغيرهم. ومع ذلك فإن الخلط ما بين المقاومة المشروعة والإرهاب الإجرامي لا يزال موجودا وتساهم في الترويج لهذا الخلط بعض الشخصيات السياسية التي تدعي تمثيل التيار الإسلامي وهذا ما يشكل خطرا مستمرا على الأمن الاجتماعي الأردني ويتطلب استجابة متكاملة لا ينبغي أن تستكين وتتباطأ مع مرور الوقت. لقد نجحت الاجهزة الأمنية في حماية الأردن ومواطنيه من هجمات أخرى، ولكن ليس من العبقرية التأكيد على أن مواجهة الإرهاب لا تعتمد على الحل الأمني فقط بالرغم من أهميته الكبرى، لأن المعركة ليست فقط مع متفجرات وأسلحة وأشخاص متطرفين وحاقدين على المجتمع، بل هي معركة عقول وفكر ضد هذا التكفير والاستسهال غير المعقول للقتل وتجاوز كل المحرمات الأخلاقية. ومما يزيد في صعوبة هذه المواجهة أنها بالفعل ليست في فراغ معزول بل تبقى في سياق الصراع السياسي في المنطقة، كما أنها تقترب إلى درجة مباشرة من الثوابت الأساسية للإسلام، أو بشكل أكثر وضوحا هي مواجهة مع التأويلات المغرضة لهذه الثوابت. مشكلة المواجهة مع ثقافة الإرهاب أنها تسير في طرق متفجرة بالعواطف والمشاعر، فالغالبية العظمى من تأويلات التكفير والإرهاب مستندة إلى مبادئ ومعايير ثابتة في الإسلام، ويصبح من الأهمية بمكان أن لا يتم ارتكاب خطأ في الاستهداف وأن يكون التركيز موجها لا على تلك القيم والثوابت الدينية بل على التأويلات والممارسات الخاطئة لها. من أجل الإسلام كهوية حضارية، ومن أجل أمن الأردن، ومن أجل مستقبل أطفالنا في هذا البلد والعالم الذي نعيش به لا مجال من التهرب بعد اليوم من استحقاق محاربة ثقافة الإرهاب، ولكن علينا أن نفعل ذلك بالحوار المشترك لا بالتراشق بتهم التطرف والتخوين التي تعودنا عليها طوال عقود طويلة. نريد أن نستأصل ثقافة الإرهاب لأننا نريد تطهير ديننا وأنفسنا من هذا الفكر النجس الذي يبيح قتل الأطفال والنساء تحت فتاوى تناقض قيم الإسلام مثل فتوى التترس، حتى نولد مسلمين وإنسانيين من جديد رافضين لارتكاب جرائم بشعة بإسم الإسلام والمقاومة، وهذا التحدي يتطلب في النهاية مناخا من الحرية والمشاركة التي تمنع أصحاب الفكر المتطرف من نشر أفكارهم الظلامية والتي لا تجد بيئة للنمو إلا في حالات الجهل وعدم احترام الرأي الآخر. من أجل كل الشهداء والضحايا ومن أجل أبنائنا وعائلاتنا لا يجوز أن ننسى ولا نتسامح ولا نستكين لثقافة الإرهاب.
الاثنين, 09 نوفمبر, 2009
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












