مرصد الأردن
هنا أكتب ما أريد، بعيدا عن قيود الإعلام التقليدي

فقراء تحت المطر

الأمطار نعمة من الله، تعطي أسس الحياة والإزدهار وتنعش كافة مقومات الموارد الطبيعية وتفتح الآفاق على التنمية، وفي المنظور الفلسفي يمكن أن تغسل الأحزان والإحباط وتبشر ببداية جديدة ونظيفة. ولكن سوء التخطيط يجعل الأمطار تتحول إلى نقمة على الفقراء ممن حرمهم الزمن من أدوات الحماية والتكيف مع الأمطار، كما جعلهم سوء التخطيط يدفعون ثمنا غاليا لرفاهية وراحة مناطق أخرى وسكان آخرين يحظون بالبنية التحتية الملائمة.

في الأصل تهطل الأمطار وتجري في مساراتها الطبيعية في الأودية والسيول لكي تغذي المياه الجوفية وتنعش الأنهار والنباتات. في كافة الحضارات الذكية التي قامت على وجه الأرض تم تصميم الحضارة بناء على قوة المياه وخصائصها، ولنا في عظمة حضارة الأنباط ما يؤشر على عبقرية في الاستثمار المحكم للموارد المائية والشحيحة ومياه الأمطار في دعم الرخاء والتنمية والزراعة وسبل المعيشة. وفي كافة قارات العالم شواهد على الحضارات التي احترمت طبيعة الدورة الهيدرولوجية وقامت بصياغة المدن والمستوطنات البشرية بحيث تتلائم مع مسارات المياه.

ولكن في الكثير من المدن الحديثة وبسبب التخطيط المغرور وقصير الأمد تم التعدي على مسارات المياه وإجبار الطبيعة على تغيير مساراتها. لم تعد المياه في عمان تتجه نحو سيل عمان لأن عبقريا قرر أن يسقفه قبل عقود، وباتت تهطل على الساكنين في الأودية الجانبية وتدمر ممتلكاتهم وأحيانا تستولي على حياتهم كما حدث مع العائلة المصرية المنكوبة في الشهر الماضي

لم تعد البنية التحتية قادرة على تحمل مياه الأمطار التي باتت تخرج من مناهل تصريف المياه لتغزو الشوارع مشكلة البرك التي تعطل السير وتعيق تدفق الحياة الطبيعية. أصبحت مياه الأمطار تتداخل مع الصرف الصحي فيتم تسييل مياه الصرف الصحي إلى الأودية والسيول لرفع قابلية استيعاب مياه الأمطار. أصبحت المياه تتجه نحو مساراتها الطبيعية لتجد البنايات والشوارع في طريقها وعبارات غير قادرة على حجز التدفق وتنظيمه فإذا بها تغرق البيوت ويدفع الفقراء الثمن الأغلى.

على ضفاف سيل عمان الزرقاء يمكن لكل متعهد أو صاحب شاحنة للتخلص من الأنقاض رميها في مجرى السيل فيتم إغلاق مجرى المياه ليفيض على الجانبين وتتقطع الطرق بالساكنين الذين لا يستطيعون المرور إلى الاتجاه الآخر.

تلاعبنا بقصد وبجهل بالدورة الطبيعية للمياه ونحن ندفع الثمن الآن في كل موجة خير مطرية. الخيارات الهندسية المغرورة التي تفضل المظهر على الجوهر ولا تلتفت لقوة الطبيعة وتحاول فرض أنماط جديدة عليها هي السبب الأساسي وراء المآسي التي تحدث في فصول الشتاء وتغمر بيوت الفقراء الواقفين بلا حول ولا قوة أمام جبروت طبيعة وادها غضبا أن الإنسان حاصرها وحاول التلاعب بمسارها.

التخطيط العمراني والشمولي للمدن والبنية التحتية يجب أن يتم اعتمادا على خصائص الموارد الطبيعة والمياه بشكل اساسي. كل قطرة مياه تسقط على هذا البلد يجب أن تكون مصدر خير، وتخزن في السدود وتسيل في الأودية المفتوحة لتغذي المياه الجوفية، وحتى في المدن لا بد من تقنيات هندسية ذكية لجمع مياه الأمطار والاستفادة منها في زيادة المنسوب المائي الاحتياطي لأغراض السقي بدلا من استنزاف المياه الجوفية. ولكن الاهم من ذلك تأهيل البنية التحتية لاستيعاب المياه وتصريفها بالشكل المناسب.

الكلام أسهل كثيرا من الفعل لأن الفعل يتطلب الإبداع ويتطلب التصميم ويتطلب المال ولكن من المهم البدء بأنماط تفكير جديدة تحترم الطبيعة ولا تحاول السيطرة عليها وتبني الخطط الشمولية على مرجعية الموارد الطبيعية حتى نستفيد من الأمطار وتبقى مصدرا للتنمية والإزدهار ولا نترك الفقراء في هذا الوطن يعانون من ويلاتها في كل فصول الشتاء، وبدون حلول جذرية.

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني