في خضم اندفاعنا جميعا لتأييد تقرير القاضي جولدستون حول الجرائم الإسرائيلية في قطاع غزة، والذي يعتبر أهم وثيقة إدانة للسياسات الإسرائيلية ربما في تاريخ الأمم المتحدة كلها، وصاحبه واحد من اصدق المرجعيات القانونية التي مرت على الصراع العربي الإسرائيلي وربما من أشدها تصميما وإصرارا على كشف الحقيقة وعدم التهاون، نسينا قضية في غاية الأهمية وهي أن القاضي جولدستون هو يهودي الديانة، بل أن حركة حماس التي كانت أكثر من دعم التقرير وهاجم تأجيل مناقشته في الأمم المتحدة هي نفسها التي أعلنت فور تشكيل اللجنة برئاسة جولدستون "إننا لا نتوقع من لجنة يرأسها يهودي أن تنصف الفلسطينيين". ولكن في نهاية الأمر أنصف اليهودي الفلسطينيين وأثبت خطأ تقدير حماس، والتي بالمناسبة ربما تكون بحاجة إلى تقديم اعتذار علني لهذا الرجل على إساءة الظن به. هذه الحادثة تعيد إلى الساحة التفكير في مدى دقة الدمج ما بين الصراع مع الإسرائيليين والصراع مع اليهود خاصة مع الجهد الكبير الذي يتم لتحويل القضية إلى مسألة دينية لا سياسية. تجتاح العالم الإسلامي منذ فترة طويلى الكثير من الفتاوى التي تؤيد أو تحرم "الصلح مع اليهود"، ما بين فتاوى فقهاء السلاطين الذين يؤيدون الصلح مع اليهود مقابل تحريمهم لقيادة المرأة للسيارة أو الاستماع للموسيقى، وما بين فتاوى فقهاء المعارضة الذين يحرمون أي شكل من اشكال التطبيع مع اليهود. وبغض النظر عن دور الفتاوى في القرارات السياسية، فإن مثل هذه الفتاوى تعاني من مشكلة جوهرية وهي أنها تتعامل مع اليهود كأصحاب دين لا مع الإسرائيليين كمحتلين لأرض عربية. فلو كان اليهود مثلا يعيشون محترمين كما كانوا في أوروبا وأميركا اللاتينية ربما كانوا من أفضل أصدقاء المسلمين حاليا، ولكن مشكلتنا مع اليهود بدأت تماما عندما طالبت الصهيونية باحتلال فلسطين وتشريد أهلها وإقامة دولة يهودية مكانها، بمساعدة الأوروبيين تحت شعار عقدة الذنب من المجازر التي ارتكبت بحق اليهود بالتزامن مع الحرب العالمية الثانية. في الأشهر الماضية وفي ذروة عدوان إسرائيل على الشعب الفلسطيني، لا يستطيع إلا المتعامين عن الحق ملاحظة ظهور فرق شاسع ما بين اليهود والصهاينة. فقد كان من المهم جدا أن نشاهد حاخامات يهود في وهم يرتدون كوفيات فلسطينية ويحملون الأعلام الفلسطينية، كما تابعنا الكثير من الكتابات والخطابات التي ألقاها سياسيون يهود في أوروبا والولايات المتحدة ضد سياسة إسرائيل. والمتابعين للصحافة البريطانية بالذات مثل الإندبندنت والغارديان يعرفون أن معظم المراسلين الذين يغطون الوضع في فلسطين هم من اليهود ولكن تغطيتهم دقيقة جدا وتنقل كل الأحداث المروعة وتبدي التعاطف مع الفلسطينيين، ووجود المراسلين اليهود يعتبر حماية لهذه الصحف من اتهامها باللاسامية. وإذا ما تابعنا أيضا كتابات نعوم تشومسكي، وغيره من المثقفين اليهود التقدميين في العالم نجد بأن هناك وعيا هائلا بالظلم الواقع على الشعب الفلسطيني وعداء كبيرا لسياسات الحكومات الإسرائيلية والأميركية، والواقع أن أحد أشكال الضعف في سياسة التعبئة العربية الشعبية كانت دائما في تجاهلها التنسيق مع القوى والأشخاص اليهود المؤيدين للحق الفلسطيني، إذ ان هؤلاء من أكثر الناس إقناعا للعالم خاصة أنهم يتحدثون من منطلق كونهم يهودا ولا يمكن اتهامهم باللاسامية، وتحويل الصراع من قضية سياسية ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين إلى قضية دينية إسلامية-يهودية لا يمكن أن يساهم إلا في زيادة تعقيد المسألة وعدم الوصول إلى حل سياسي نهائي لها. الكثير من اليهود يؤمنون بأن إسرائيل باتت تشكل خطرا على اليهود جميعا إذ أنها تثير كراهية العالم لهم من جديد، وربما يكون البعض منهم يحمل مبادئ أخلاقية تؤمن بضرورة وجود دولة للشعب الفلسطيني، والمنطق السياسي يقتضي عمل نوع من التنسيق معهم. وإذا كان خطاب مقاومة التطبيع العربي يركز على التطبيع مع الإسرائيليين فإنه من غير المنطق أن يمتد لليهود جميعا، لأن فتح المجال للتنسيق مع الفئات والتيارات اليهودية المعادية للصهيونية سيكون مفيدا جدا للنضال الفلسطيني عالميا. ولا شك أن من يبادر إلى مثل هذا التنسيق يجب أن يمتلك الجرأة العالية خاصة في ظل المناخ العربي الشعبي الذي لا يفرق ما بين اليهود والصهاينة، علما بأن هناك من بين غير اليهود من هم أكثر تأييدا للصهيونية من اليهود أنفسهم وبعضهم تفتح له أبواب العالم العربي على مصراعيها، وعلينا أن نكون أكثر قدرة على التقييم والتفرقة ما بين أعدائنا الحقيقيين وما بين من نتفق معهم في الرؤى حتى لو كانوا يهودا.
الجمعة, 30 اكتوبر, 2009
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












