مرصد الأردن
هنا أكتب ما أريد، بعيدا عن قيود الإعلام التقليدي

الليبرالية بريئة من "الليبراليين الجدد"!

أصبحت هنالك مبالغة كبيرة في الإستخدام المتعسف لمصطلح "الليبراليين الجدد" في وصف مجموعة الاقتصاديين والمخططين المؤمنين بمنهجية السوق المفتوح والرأسمالية الإستثمارية وتغييب البعد الاجتماعي أثناء صناعة السياسات الاقتصادية خلال عدة سنوات من العقد الماضي. هذه المجموعة وصلت إلى مراكز صناعة القرار من خلال عدة آليات لإنتاج النخبة في سياق التحولات الاقتصادية في الأردن وساهمت في تنفيذ الكثير من السياسات الإشكالية التي فتحت النشاط الاقتصادي بشكل مطلق أمام القطاع الخاص والإستثمار الأجنبي والوكلاء المحليين كما ارتبطت بشكل حقيقي أو مبالغ به بحالات من الفساد ذي النمط الحديث المختلف عن الفساد الذي تسببت به النخبة المحافظة سابقا، وبالتالي أدت السياسات التي تم تنفيذها إلى تداعيات اجتماعية سلبية طالت الكثير من فئات المجتمع. مصطلح الليبراليين الجدد ظهر للمرة الأولى في العام 1938 لوصف منهجية اقتصاد السوق التي تجاوزت مفاهيم الليبرالية التقليدية ولكنه حاز على الكثير من الزخم بعد إعلان واشنطن والسياسات التي شجعتها إدارات ريغان وتاتشر في الولايات المتحدة وبريطانيا وفي العالم من خلال صندوق النقد الدولي.

لا جدال على نقد هذه السياسات ولكن المشكلة هي أن كلمة "ليبرالي" التي ترتبط في تاريخ العمل السياسي والاجتماعي بمفردات الحرية والديمقراطية والتنمية والعدالة والمواطنة، اصبحت ذات مدلولات سلبية وكأنها شتيمة يمكن أن توجه لأي شخص يؤمن بقيم الليبرالية. وما هو أسوأ من ذلك أن النقد الموجه لتلك المجموعة تجاوز النهج الاقتصادي وتحول إلى مفردات ثقافية حيث تم تسميتهم بمجموعة "الديجيتال" أو المتحدثين باللغة الإنجليزية الذين لا يعرفون البلد أو أنهم من اصول معينة، مما أعطى ايضا بعدا إقليميا خطرا لهذا النقد. الاستخدام المتعسف لمصطلح "الليبراليين الجدد" ساهم في تشويه سمعة الفكر الليبرالي السياسي والاجتماعي وربطه بالليبرالية الاقتصادية، أما عن تعمد من قبل جهات رافضة للفكر الليبرالي السياسي أو بسبب سوء التقدير والتعبير، مع أن هناك فروقا اساسية في القيم والمبادئ بين الليبرالية الاقتصادية والسياسية. وفي واقع الأمر فإن الاردن شهد حكومات كثيرة مارست "الليبرالية الاقتصادية"، حتى قبل الانفتاح الديمقراطي ولكنه أبدا لم يشهد حكومة ليبرالية سياسية ربما باستثناء حكومة المرحوم عبد الحميد شرف ومن ثم حكومة طاهر المصري وإلى حد ما عبد الكريم الكباريتي، وغير ذلك بقيت السياسة والحكومات الأردنية "نظيفة" تماما من الليبرالية!

عندما نتحدث عن برنامج الليبرالية الاقتصادية في الأردن فهو واضح، ويتمثل في تطبيق مبادئ "إجماع واشنطن" الاقتصادي بهدف تقليص دور الدولة من خلال أربعة محاور أساسية هي التخاصية وتحرير السوق المالي وترك تحديد الأسعار للسلع والخدمات من خلال ديناميكية السوق الحرة وتحرير التجارة الدولية، أي بالمحصلة هي عبارة عن "عقيدة اقتصادية" قوامها سطوة السوق والقوى الرأسمالية والمستثمرين الأجانب مع تغييب لمفاهيم العدالة الاجتماعية ومصالح الفئات الوسطى والفقيرة. هذه السياسة الاقتصادية واضحة جدا في الأردن ولا مجال أمام المواطن العادي غير الرأسمالي وغير المستفيد من الصفقات والعمولات المرتبطة بها إلا أن يرفض هذه السياسة.

ولا تقدم المجموعة التي أطلق عليها لقب "الليبراليين الجدد" في حقيقة الأمر نماذج تثير الإعجاب في إداراتهم العامة، ولا يلتزمون بمبادئ الإصلاح الإداري الحقيقي.  فإذا راجعنا ملفات أداء بعض الوزارات الاقتصادية التي قادها فريق الليبرالية الاقتصادية في السنوات الماضية فإننا نجد تسلطا في الفكر، واحتكارا للحقيقة ورفضا للرأي الآخر، وتحالف مصالح ضيقة وأحيانا مع شخصيات من التيار المحافظ الذي يدعي محاربته لليبرالية الجديدة، مقابل نتائج تنموية غير مؤثرة ، ومنافسات تصل إلى حد الصراعات بين رموز هذا التيار على الصلاحيات.

ولكن الليبرالية السياسية والاجتماعية هي فكر وممارسة إنسانية تعتمد على قيم الحرية الفردية والعدالة والديمقراطية والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان وكانت مرتبطة تاريخيا بالطبقة الوسطى المتعلمة والمهنية وليس المستثمرين والمضاربين ووكلاء الشركات الأجنبية. وإذا كان الأردن بحاجة إلى نمط إصلاحي من الحكم وممارسة السياسة فهو بحاجة إلى هذه الليبرالية التي ساهمت في تقدم وتطور كافة الدول التي نفذتها بالشكل الصحيح وخاصة في أوروبا، ولكن للأسف لا توجد في الأردن منظومة من المؤسسات والشخصيات التي تقدم برنامجا ليبراليا سواء من خلال حزب أو منظمة مدنية أو حتى كتلة نيابية، وفي نهاية الأمر يصبح كل ليبرالي أردني موصوما بشكل سلبي نتيجة سياسات اقتصادية رأسمالية لم يكن له اي دور في تطويرها ولا تنفيذها.

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 20 اكتوبر, 2009 09:35 ص , من قبل محمد عمر
من الأردن

الزميل باتر تحية واحترام،،،
اعتقد ان الخلط بين "الليبرالية الجديدة"، او الليبراليون الجدد"، الليبرالية، ليس حصرا بالاردن، فالامر يعود الى جذور فكرية ونظرية، ونشاة تاريخية،،،
بداية، اذا كنت اوضحت "الليبرالية الجديدة" ك"عقيدة اقتصادية" نشأت منذ 1938 وتطورت مع مدرسة شيكاغو، او مدرسة ميلتون فريدمان، ولاحقا في "اجماع واشنطن"، الذي جرى تبنيه لاحقا ابان حكم رونالد ريغن ومارغرت تاتشر كعقيدة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اذ يعتقد "الليبراليون الجدد" ان "عقيدتهم" الاقتصادية هي الاصلح للبشرية وان ديمومة النمو، وخاصة، في الولايات المتحدة لن يستمر الى الابد الا عبر تدويل هذه السياسة الاقتصادية اي عولمتها.لذلك فان "شروط" صندوق النقد الموصوفة في كتب "خطابات النوايا" وهي تتوافق مع "اجماع واشنطن"،، امكن فرضها على العالم الثالث بسبب انفجار ازمة المديونية العالمية في نهاية سبعينيات القرن الماضي، لذلك تجه العالم نحو الليرالية الجديدة، كما امكن تعميمها في العالم المتقدم بفعل اسباب اخرى، منها قوة اقتصاد الولايات الاميركية ودورها السياسي والعسكري في العالم وجاذبية "التقدم" الذي احدثته هذه المدرسة في اميركا وازمة مدرسة كينيز وسقوط الدول الاشتراكية ونهاية الحرب الباردة...الخ.
اما الخلط، فهوناجم اساسا بسبب التحالف بين هذه المدرسة في الاقتصاد ومدرسة"المحافظين الجدد" في السياسية، وهما امران مختلفان تماما, يدعي المحافظون الجدد ان حماية الولايات المتحدة الاميركية، وحماية منجزاتها لا يتم الا عبر استخدام قوتها السياسية والاقتصادية والعسكرية لتعميم "الديمقراطية" على النمط الاميركي في العالم. وتعتقد هذه المدرسة ان "الليبرالية" عجزت عن حماية منجزات الانسان الديمقراطية، وقد بلور الاب الروحي لهذه المدرسة "كارل ايرفينغ" اليهودي الذي كان في شبابه عضوا في منظمة تروتسكية في نيويورك المبادديء الاساسية لـ"المحافظين الجدد"، واشير هنا الى ان اغلب منظري مدرسة المحافظين الجدد هم من اصول تروتسكية ماركسية، وتعلم ان تروتسكي المنظر الشيوعي، كان له رأي بعد قيام الاتحاد السوفياتي يقضي بـ"استمرارية الثورة" او "الثورة الدائمة"


اضيف في 21 اكتوبر, 2009 08:27 ص , من قبل محمد أبو حجر

صديقي ...
تحياتي الحارة أولا وقبل كل شيء وما هي إلا محاولة للنقد الواعي البناء..ومساحة حرة لتبادل الأفكار..
صديقي علينا وقبل كل شيء أن نذكر أن الليبرالية الجديدة إنما ترعرعت وقبل كل شيء في رحم الليبرالية البدئية ...وأنها التطور الطبيعي لأزمة الرأسمالية التنافسية " المرتبطة أصلا بالليبرالية" في الدول المتقدمة ...
إن الرأسمالية التنافسية " الليبرالية" وإن إستطاعت لمدة من الزمن تجاوز أزماتها البنيوية داخلياً فإن تفاقم هذا الازمة دورياً وزيادة تواتر الازمات كان يوحي وفق منظور ديناميكي بتطور هذه الرأسمالية التنافسية‎-الليبرالية‎- إلى رأسمالية إحتكارية‎- ليبرالية جديدة‎- لا بد لها من تدويل أسلوب حياتها لكي تستطيع الحياة ..
فالليبرالية الجديدة تلك العلقة المريرة التي تعتاش على دماء الشعوب ..ما هي إلا إمتداد طبيعي لليبرالية القديمة تلك العلقة التي تعتاش على دماء أبناء جلدتها ...
ولتسهيل سيطرتها على الشعوب فإنها كانت مضطرة للتحالف أحيانا مع كتل محافظة كانت في الماضي العدو اللدود لأمها الحنون الليبرالية التي أعلن عن وفاتها ليلة مخاض الطفلة الجديدة.
ولذا فإن أي محاولة لتحسين وجه الرأسمالية التنافسية أو الليبرالية هي محاولة يائسة لبث الروح في فاقد للحياة
وكما يقول مهدي عامل في مؤلفه نقض الفكر اليومي " لا حيــاة لفاقد الحياة"
ف تلك العلقة المشاكسة " الليبرالية الجديدة" قد إعتاشت بادئ ذي بدء على إمها الجنون ...
تحياتي الحارة
وكل الحب من سوريا..




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني