بعد صدور قانون مؤقت للضمان الاجتماعي، وتأخير انعقاد الدورة العادية لمجلس النواب فإن بعض الإشاعات بدأت تغزو الصالونات السياسية وفضاء العمل العام في الأردن بأن هناك توجها لإعداد وإصدار قانون مؤقت للانتخابات العامة. كاتب هذه السطور كشخص مؤمن بقيم الديمقراطية الاجتماعية والحداثة يطالب، بل ويرجو كافة الجهات المعنية بالمسارعة في إصدار هذا القانون! نعم أعرف تماما بإن إصدار قوانين مؤقتة في غياب مجلس النواب قد يعتبر مصادرة للحق الديمقراطي في النقاش والحوار البرلماني ولحق مجلس النواب في التشريع، ولكنني أدرك تماما بأن ثمة استحالة لإصدار اي قانون حديث وعصري للانتخابات من قبل تركيبة مجلس النواب الحالي. المسألة بوضوح مفادها أنه في حال كانت الحكومة ودائرة صناعة القرار السياسي ترغب في قانون انتخاب عصري وحديث يتجاوز عقدة الصوت الواحد ويمنح فرصة للقوائم النسبية والحزبية والنظام الإنتخابي المختلط فمن المهم والمنطقي العمل على إصدار هذا القانون وأن تتم الانتخابات النيابية القادمة بموجبه، في حال كانت في العام 2011 أو أقرب من ذلك إذا أقر القانون الجديد وتم حل البرلمان. أما إذا كان القانون المعدل المؤقت سيعتمد على تعديل في التفاصيل والإجراءات والإبقاء على الصوت الواحد فلا داع له. لو تمكنت الحكومة الحالية بالفعل من إقرار قانون انتخاب عصري وديمقراطي فإنها سوف التاريخ الأردني مرصعة بالمجد لأنها تكون قد حققت خطوة كبيرة في نقل الأردن من النظام السياسي القبلي العشائري الخدماتي إلى النظام السياسي الديمقراطي المعتمد على قيم المواطنة والحداثة. إن نظام الصوت الواحد كان أكبر كارثة على المسيرة الديمقراطية في الأردن، لأن تطبيقه في الإطار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لمجتمع لا يزال يدور في فلك علاقات الدم والاقتصاد يؤدي إلى تفكيك الولاء الوطني السياسي الديمقراطي ونمو كل الارتباطات القبلية وأشكال الصفقات الاقتصادية وشراء الأصوات ولا مجال لأي عملية إصلاح ديمقراطي وسياسي في الأردن بدون التخلص من هذا النظام. لقد أدخل نظام الصوت الواحد الأردن في حالة غيبوبة سياسية طويلة وساهم في إحداث المزيد من التعصبات الاجتماعية التي ندفع ثمنها يوميا، وفي حال الاستمرار في نظام الصوت الواحد فإننا سوف نستمر في هذه الغيبوبة إلى ما لا نهاية. لنظام الصوت الواحد مؤيدوه بكل تأكيد، وهم ينقسمون إلى ثلاث مجموعات. المجموعة الأولى هي أصحاب النفوذ السياسي التقليدي من "النخبة" السياسية الأردنية التي نشأت وفق علاقات القرابة والدعم العشائري والنفوذ الاجتماعي وهي تعرف أن بقاء الصوت الواحد يحفظ مكتسباتها. أما المجموعة الثانية المؤيدة لهذا النظام فهي تعيش في هاجس التخوف من حدوث تغيير ديمغرافي على المعادلة السياسية في الأردن وأن نظام الصوت الواحد هو الكفيل بتحجيم طموحات "التوطين" ومنح "القوى الوطنية" وهي التيارات السياسية التقليدية مساحة حرية تشريعية للحفاظ على أغلبية مطلقة في البرلمان بدون تغيير المعادلة السكانية-السياسية. أما المجموعة الثالثة من مؤيدي هذا النظام فهي التي تعيش في هاجس التخوف من تزايد الدور السياسي لجبهة العمل الإسلامي والإسلام السياسي الأكثر تنظيما من ناحية حزبية ويعتقد هؤلاء أن نظام الصوت الواحد هو أفضل ضمانة لتحجيم التيار الإسلامي وإبقائه ضمن حدود المعارضة بالحد الأدنى غير المؤثر على القرار الجماعي. وفي المقابل فإن من حق القوى الداعية إلى تغيير نظام الصوت الواحد واستبداله بنظام القائمة النسبية، أو على الأقل تطوير "نظام مختلط" في هذه المرحلة أن تشن حملتها السياسية الداعمة لهذه الفكرة. ومن المفيد التأكيد على أن القوى الداعية للنظام المختلط هي القوى السياسية الحزبية والمدنية ذات التوجه الديمقراطي والهادفة إلى توسعة الخيارات السياسية في عملية انتخاب وأداء مجلس النواب، وهي أيضا قوى متباينة في تركيبتها وأهدافها لكنها تتفق على أهمية تجاوز إرث النتائج الضعيفة بل والسلبية التي ظهرت من خلال تجربة الصوت الواحد. هذه القوى يجب أن تخرج من حالة التردد وأن تطالب بكل وضوح بتغيير قانون الانتخاب حتى من خلال قانون مؤقت.
الاثنين, 19 اكتوبر, 2009
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












