مرصد الأردن
هنا أكتب ما أريد، بعيدا عن قيود الإعلام التقليدي

كرة القدم: وسيلة للسلام أم العنف؟

كرة القدم لعبة محفوفة بالمشاعر والحماس، وهي احتلت بجدارة موقعها في مقدمة الرياضات في العالم لعدة أسباب لا مجال لذكرها الآن ولكنها تتمتع بجاذبية تجعل حتى القادة السياسيين مثل رئيس الوزراء التركي رجب أردوغان ورئيس الوزراء الفلسطيني في حكومة حماس إسماعيل هنية ورئيس الوزراء الإسباني ثاباتيرو وزعيم روسيا القوي فلاديمير بوتين متابعين لها بلا تحفظ ولا مجاملة، بل أنها اصبحت في بعض الدول وسيلة نحو المجد السياسي كما في حالة رئيس الوزراء الإيطالي سلفيو برلوسكوني. ولكن حالات كثيرة في العالم تطرح تساؤلا مشروعا فيما إذا كانت كرة القدم تشكل أداة للسلام والتواصل أم أنها بالفعل مسبب جديد للعنف والحروب والفتن بسبب التعصب والإنتماءات الجماعية والوطنية وحتى العرقية والدينية التي ترافقها وتشكل دافعا للمواجهات بين أتباع الفرق؟

أول أمس كان ملعب أتاتورك في تركيا يشهد حدثا غير مسبوق عندما استضاف المنتخب التركي لكرة القدم نظيره الأرميني في أول "تواصل" في الشأن العام بين بلدين بينهما بحور من الدم والمجازر منذ مئة سنة تقريبا. المباراة مرت بسلام خاصة أنها كانت شكلية لتركيا التي فقدت فرصتها في التأهل إلى كاس العالم ونظرا للفارق في المستوى الفني لصالح الفريق التركي الذي فاز ببساطة، مع أن شدة الحماس ساهمت في طرد أحد لاعبيه بدون مبرر. بعيدا عن تركيا وفي السلفادور كان منتخب الهندوراس يتأهل لكاس العالم على حساب منتخب السلفادور بعد 40 سنة تقريبا من الحرب الضروس التي اشتعلت بين البلدين بسبب تصفيات كاس العالم وفوز السلفادور على الهندوراس مما أدى إلى اجتياج جيش الهندوراس أراضي جارتها وسقوط أكثر من ألف قتيل في خمسة أيام نتيجة حرب سببها كرة القدم.

في تصفيات كأس العالم 2006 وكأس الأمم الأوروبية 2008 التقت منتخبات صربيا والبوسنة وكرواتيا معا للمرة الأولى منذ الحروب الشرسة التي خلفها إنقسام الاتحاد اليوغسلافي، وساهمت هذه المباريات في تهدئة الكثير من جوانب الصراع ومرت بسلام وهدوء في كافة المواجهات الكروية. وفي نفس الفترة تقريبا كانت اليونان وتركيا تلتقيان 4 مرات في إطار مباريات كرة القدم وأيضا كان هناك هدوء واحترام متبادل من دولتين تعيشان في تنافس سياسي وعلى حافة الحروب منذ عقود بسبب قبرص والتاريخ الديني.

هذا السلام الذي تصنعه كرة القدم بين شعوب ودول وصلت إلى مرحلة من التقدم واستدراك الاخطاء نشاهد عكسه في ملاعبنا العربية. الجميع يشعر بتخوف وقلق من الإنعكاسات السلبية للمواجهة المرتقبة بين منتخبي مصر والجزائر لحجز بطاقة التأهل لكاس العالم حيث شهدت وسائل الإعلام لدى الطرفين تصعيدا كبيرا في الأيام الماضية بعد أن تمسك المنتخب المصري بأمله في التأهل وإبتسم له الحظ بفوز صعب حققه في زامبيا وإلغاء حكم مباراة الجزائر ورواندا لهدفين للمنتخب الجزائري مما جعل المباراة القادمة بينهما مصيرية لأن المنتخب المصري بات يمتلك فرصة الفوز بهدفين على الأقل للتأهل. التاريخ الطويل من العداء الحقيقي بين المنتخبين وللاسف الشعبين عززته مباراة مصر والجزائر في العام 1990 والتي شهدت سوء معاملة للفريق الجزائري الضيف ومن ثم معركة في الفندق تسببت في فقدان عين أحد الأطباء المصريين واتهام النجم الجزائري الكبير الأخضر بلومي بأنه سبب الإصابة ومنعه من السفر دوليا واستحضار أمر باعتقاله من قبل الإنتربول لم ينته إلا العام الماضي بعد تنازل الطبيب المصري عن حقه. وفي تصفيات كاس العالم 2002 كان الفريق الجزائري فاقدا لأمل التأهل ومع ذلك قدم مباراة هائلة في الحماس والالتزام مدفوعا بجماهيره المتحمسة ليجبر مصر على التعادل وإهداء بطاقة التأهل للسنغال على حساب مصر.

الآن تبدو الساحة مهيئة لمواجهة ساخنة جديدة ما لم يتدخل أهل الحكمة والعقل ويقومون بلجم الحملات الإعلامية المتبادلة وأسوأها ما يقوم به إعلاميون يمتلكون الشهرة والشعبية مثل الإعلامي عمرو أديب والذي اساء بشكل غير مقبول للجزائر وشعبها في برنامج القاهرة اليوم قبل أيام في واحد من أكثر مشاهد الفتنة العربية إيلاما.

وكما كتب الزميل باسم سكجها قبل يومين فإن الاحتمال الاكبر أن كلا الفريقين لن يحقق اي نجاح في كاس العالم حيث دأبت الفرق العربية على الفشل والإنحدار منذ 16 سنة حيث كان آخر فريق عربي نجح في تخطي الحاجز الدور الأول هو المنتخب السعودي، وللصدفة كان ذلك على حساب المنتخب المغربي في كاس العالم 1994 وبعدها كانت المشاركات العربية تتراوح ما بين المشاركة الباهتة وتلك الضعيفة التي تتجرع هزائم قاسية ومحرجة.

كرة القدم قد تكون وسيلة للفتنة والعنف والمشاكل كما قد تكون طريقا للسلام فهي محايدة وتعتمد على نوايا القائمين عليها ممن يرغبون في استثمارها للسلام فعلا ويتمتعون بمستوى من الروح الرياضية أم من يستخدمها لتصفية خلافات سياسية وحدودية ودينية وعرقية خاصة على المستوى الداخلي في كل دولة، وهذه حكاية أخرى.

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 16 اكتوبر, 2009 11:54 ص , من قبل محمد شما
من الأردن

السلام "قد" يبدأ من الرياضة، والوحدة من الرياضة، شكرا استاذ باتر على المقال المهم. في الأردن إذ رصدنا الجمل العنصرية في الحيطان سنلحظ أنها تبدأ من الرياضة (الوحدات الزعيم أو الفيصلي بطل الدوري خاوة عن ....) وهكذا ....على كل الأحوال نحتاج إلى روح رياضية حتى نتقبل الرأي الآخر في كثير من القضايا،،،

محمد شما




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني