مرصد الأردن
هنا أكتب ما أريد، بعيدا عن قيود الإعلام التقليدي

مئوية عمان الثانية!

باستثناء غياب الإتقان عن البث التلفزيوني، كانت المسيرة التي جابت منطقة رأس العين-أمانة عمان في مناسبة الذكرى السنوية لإنشاء عاصمة هذا البلد مناسبة متميزة وتستحق التقدير، ومثلت منهجا جديدا في التركيز على العناصر الثقافية والتراثية البسيطة شكلا ولكنها عميقة مدلولا في تقديم الاحتفالات الوطنية بالحد الأدنى من الزعيق والصراخ والرياء مما يخاطب ويحترم عقول المتابعين.

اعتمدت مسيرة عمان على عناصر متتعددة من التراث الاجتماعي والثقافي للمدينة، وحتى الاجتماعي المعيشي الذي نشاهده في كل يوم. عمان مدينة تختلف عن الكثير من مثيلاتها من العواصم العربية والأجنبية. إنها مدينة تخلو من نهر أو بحر أو بحيرة، بعد قرار "عبقري" بسقف سيل عمان الذي كان القلب النابض للمدينة التاريخية، ومدينة ذات نمط جبلي قاس وصعب المراس ينعكس على النشاط اليومي والمزاج العام وأخيرا مدينة شكلت مأوى لكثير من الفئات التي لاذت بها من شظف العيش والجور في مناطق أخرى فتكونت مدينة بشكل ربما كان من قبيل الصدفة ولكنها كبرت لتصبح درة نفخر بها جميعا. هذه المزايا تجعل عمان قابلة للتطور الأبدي، ولا تجعل الناس مأسورين بصورة تاريخية واحدة شكلت هوية المدينة، لأنها في المحصلة مدينة مفتوحة على كافة الاحتمالات، وهذا شئ مثير ولكنه مقلق بنفس الوقت.

عمان مثل الأردن، نمت بقوة الدفع الذاتي المستمر وليس نتيجة الفخر بتراث طويل أو شبكة اجتماعية ضاربة في التاريخ. بالنسبة لساكنيها كانت عمان ضرورة ينبغي الحفاظ عليها ومكانا للعيش والنمو ثم اجتذبت سكانا آخرين كانت معظم خصائصهم أنهم أتوا من مناطق مختلفة من داخل الأردن وخارجه ليضيفوا التنوع والثراء.

التنوع الاجتماعي والثقافي هو سمة عمان التي شكلت البنيان الرئيسي للمدينة والذي أحسنت المسيرة في إظهاره بكل وضوح حيث تم عرض لمحات من تراث الفئات الاجتماعية والعرقية المختلفة التي ساهمت في بناء عمان وتطورها وهو تذكير بأن الأردن كلها بنيت على التنوع الاجتماعي والذي يشكل مصدر ثراء وإبداع هذا البلد، وضرورة لا بد من الحفاظ عليها في المستقبل ضد كل دعوات التهميش التي تطال بعض مكونات التنوع الاجتماعي.

بالإضافة إلى ملامح التنوع الاجتماعي-الثقافي كانت ملامح النشاط الاقتصادي ظاهرة في المسيرة، ومشاهد باعة الخضار وسيارات االغاز وغيرها من خصائص عمان واسواقها وشوارعها وحيويتها الاقتصادية اضافت الكثير من الألق، ولكنها ايضا ذكرتنا بمدى التحدي الذي يواجه عمان في الحفاظ على هذا التراث في وجه هجمة العصرنة والحداثة التي خلبت ألباب بعض المخططين والمستثمرين والتي تعمل على تحويل عمان إلى مدينة صناعية استثمارية خالية من الروح والتراث.

لقد كنا محظوظين في وجود ثراء ثقافي كبير يمكن أن نقدمه في مسيرة عمان، مع أن الثراء كان يمكن أن يكون أكثر تأثيرا في حال بقي لدينا مقهى حمدان الذي عقد فيه المؤتمر الوطني الأردني عام 1921 والذي شكل أول ملامح بناء مجتمع أردني موحد، أو الإبقاء على الحد الادنى من التدفق المائي في سيل عمان الذي كان نقطة الجذب الأولى لتأسيس المدينة بدلا من سقفه وتحوله إلى مكرهة صحية. الآن نحن مهيأون أكثر من أي وقت مضى لحماية تراث عمان ولكنها أيضا مسلحون بعوامل الإغراء أكثر من اي وقت مضى لتدمير هذا التراث وإنهائه من خلال هجوم مشاريع التحديث والإستثمار.

هل يتحمل هذا الجيل من المواطنين والمسؤولين والمستمثرين الذي يتخذون القرارات في العقد الأول من المئوثة الثانية لعمان المسؤولية بشكل حسن في الحفاظ على تراث المدينة وتطويرها بطريقة مستدامة تحترم الماضي ولا تهينه من أجل حاضر سريع المكاسب ومستقبل حالم على الرسومات الهندسية والتصميم شبه الأوروبي؟

هذا التحدي ليس سهلا ولكن لندع تراث عمان وغناها الثقافي والاجتماعي نبراسا لنا في كيفية اتخاذ قرارات التخطيط لمستقبل المدينة التي تنمو بشكل متسارع ومذهل ولا يمكن التنبؤ بأية موجة جديدة من التغيير الاجتماعي السريع التي يمكن أن تحدث في السنوات القادمة. دعونا نترك شيئا يحافظ على روح عمان لمن سيحتفل بمئوية عمان الثانية، أطال الله في عمرها وجنبها كل مكروه تصنعه الطبيعة، أو يصنعه الإنسان وهو الأخطر!

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(3) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 14 اكتوبر, 2009 06:51 م , من قبل hamede
من الولايات المتحدة

لقد غاب تمثيل العشائر الاردنية ،هل كانت مقصودة من أمين عمان،أم هم ليسو جزءًا من عمان و تراثها


اضيف في 16 اكتوبر, 2009 12:10 م , من قبل محمد شما
من الأردن

أعتقد أن اللباس العربي الذي ممثلا بالشخوص هو ما يمثل العشائر الأردنية على اختلافها، ولا أرى من داع للتمثيل كل عشيرة على حدة فهم ليسوا دولا أو أطياف مختلفة هم عرب لا فرق بينهم وكان موجود في المسيرة، وأنا لا أدافع عن المسيرة وإنما وفي هذا الموضوع تحديدا ليس مشكلة أو عيبة، وأعتقد أن جلسة أمانة عمان الشهرية والتي عقدت الثلاثاء الماضي، كانت هناك انتقادات واسعة للإدارة والأمين حول المسيرة، وكنت أغطي الجلسة آنذاك ورأيت أن المشكلة في تغييب دور المجلس كما أكد عدد منهم في المداخلات ولكن الغالبية انجرفت لموضوع تمثيل العشائر وهنا بدأ "الغماس برى الصحن" بالأمثال..على كل الأحوال كانت حدثا جميلا نتأمل أن يتكرر لأنه إيجابي ويعزز ثقافة الفرح والسعادة لدينا في الأردن وأعتقد أننا بأمس الحاجة إليها.


اضيف في 16 اكتوبر, 2009 03:26 م , من قبل hamede
من الولايات المتحدة

محمد شما

لم نقول عن المسيرة بأنها ليست جييدة، كان سؤال واضح ،اية لباس الذي تقول عليه ،لقد كان هناك تغييب لدور العشائر لأنها لا تمثل في اللباس فقط ،هنا أود أن أوضح بأني إبن عشائر و لست متعصباً ،لكنها كانت ملاحظة واضحة فهم جزء كبير من عمان و تراثها غير ذلك هو من يغمس خارج الصحن و السدر كمان




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني