مرصد الأردن
هنا أكتب ما أريد، بعيدا عن قيود الإعلام التقليدي

رجل تعرفه من سيارته!

أجمعت غالبية من عينة أشخاص قابلتهم ممن زاروا الأردن لأغراض السياحة والعمل في السنوات الماضية على ملاحظة واحدة وهي النسبة الكبيرة للسيارات الكبيرة والفارهة في الأردن مقارنة بمعدل الدخل القومي والحالة الاقتصادية في البلاد، مما يعطي انطباعا مباشرا حول الخيارات الاستهلاكية للأردنيين فيما يتعلق بتفضيل إقتناء السيارات الكبيرة في حال توفرت الإمكانية. وفي واقع الأمر فإن هذه الملاحظة دقيقة تماما فأي شخص يزور المدن الأوروبية لن يشاهد في أي يوم اعتيادي عددا من سيارات المرسيدس والأودي والبي أم دبليو الكبيرة كما يشاهدها في شوارع عمان. الخيارات الاستهلاكية الواعية اقتصاديا للمواطنين الأوروبيين من الدول الصناعية التي تقوم بتصدير السيارات وذات الدخل العالي هي خيارات متوسطة تفضل السيارات ذات الاستهلاك المنخفض من البنزين وذات السعر المناسب الذي لا يجعل المستهلك يعاني ديونا وضائقة مالية.

أخبرني مسؤول في بنك قام بتوفير مئات القروض لشراء سيارات أن غالبية المشترين يفضلون السيارات الفارهة الكبيرة وخاصة سيارات الدفع الرباعي حتى لو أدى ذلك إلى قروض لمدة 4 سنوات تتضمن دفع 25% إضافية على سعر السيارة وذلك من أجل المباهاة والتفاخر. ضمن نفس المنطق كانت معظم الإغراءات التي ساهمت في توسع شبكة النصب والاحتيال التي مارستها شركات البورصة في مناطق مختلفة من الأردن هي شراء "الجيل الأول" من الرابحين في البورصة للسيارات الفارهة من أول مجموعة أرباح حصلوا عليها مما ساهم في إنتشار الظاهرة، لأنه ليس من المعقول أن يشتري جارنا سيارة فارهة من أرباح البورصة ونحن ننظر بدون أن نشارك!

يقول البعض، وخاصة من أنصار الحرية الفردية التي لا تزدهر في الأردن إلا في مجال حرية التدخين وإيذاء الآخرين وحرية إضاعة الأموال على المظاهر أن هذه الخيارات حق لكل شخص في شراء ما يريده، ولكن مثل هذه الظواهر لا تتناسب ابدا مع مجتمع هو نفسه يتذمر من الضائقة الاقتصادية وارتفاع الاسعار، فلا يمكن أن تستقيم المعادلة في وجود ضائقة مالية وتراجع اقتصادي مع هذا الشراء المذهل للسيارات الفارهة.

السياسات العامة أحيانا تساعد في هذا الهدر. حكومة سابقة قامت بتخفيض الجمارك على السيارات ذات المحركات الكبيرة بدلا من رفع الجمارك عليها وتخفيضها على السيارات الصغيرة ذات الاستهلاك الكفء للوقود. وعندما قررت الحكومة الحالية اتخاذ قرار حكيم بتخفيض الضرائب والجمارك على السيارات الهجينة (ذات المحرك المزدوج العامل على البنزين والكهرباء) والتي تتميز باستهلاك منخفض للبنزين وعدم إطلاق نسبة كبيرة من الغازات الملوثة كان الرد هو هجمة استهلاكية كبيرة على السيارات الهجينة ذات المحركات التي تزيد عن 4 آلاف سي سي والتي تتميز باستهلاك أقل من البنزين مقارنة بمثيلاتها من ذوات المحركات العادية ولكنها لا تحقق الهدف البيئي الذي تم إقرار الإعفاءات بسببه. والآن تحاول الحكومة تعديل الإعفاءات لتشمل فقط السيارات الهجينة ذات المحركات الصغيرة والمتوسطة وهي الرفيقة بالبيئة بينما توجد على الأقل ألف سيارة تتجاوز سعتها 4 آلاف سي سي تنتظر التخليص عليها ليقتنيها مواطنون يرغبون في تحقيق كل الفوائد من ركوب سيارة فارهة مع استهلاك منخفض للبنزين وإدعاء بوجود الوعي المطلوب لحماية البيئة.

في هذا البلد الموارد شحيحة ومن المهم أن نعيش ضمن نمط استهلاكي يتوافق مع قدراتنا الحقيقية والبداية هي ترشيد البذخ والإنفاق الذي يمارس من قبل القطاع العام خاصة في استخدام السيارات الحكومية ومصاريف الضيافة وإنفاق الهيئات والمفوضيات الإمبراطورية المستقلة لأن كل هذا الهدر هو الذي يشجع المواطنين على تكرار نمط استهلاكي لا يتناسب أبدا مع الوقائع الاقتصادية ومعادلة الموارد في الأردن. إذا كانت الخيارات الاستهلاكية الباذخة هي حريات فردية يجب الحفاظ عليها فلنتوقف إذا عن التذمر المتواصل حول سوء الأوضاع الاقتصادية طالما نملك القدرة على هذا الإنفاق لأغراض الوجاهة الاجتماعية.

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني