مقالة منعت من النشر حققت مجموعة من وسائل الإعلام العربية اختراقا علميا هائلا في الأيام الماضية عندما أعلنت إسقاط نظرية داروين حول التطور الطبيعي والتي تعتبر الأساس لكافة العلوم البيولوجية الحديثة، وذلك عند "إعادة نشر" الأخبار والتقارير المبثوثة من قبل وكالات الأنباء العالمية حول إكتشاف اقدم هيكل عظمي لكائن يعتبر الأقرب إلى الإنسان وبعمر يقارب 4.4 مليون سنة. الحقيقة التي غابت عن بعض وسائل الإعلام العربية في خضم حماسها لإسقاط نظرية داروين أن هذا الأكتشاف لم يسقط النظرية ابدا، ولا يوجد في البحث المنشور في مجلة ساينس الأميركية (المكون من 11 بحثا متكاملا وليس بحثا واحدا بالمناسبة) ولا في الأخبار العلمية الدولية ما يشير إلى إسقاط النظرية، وما حدث هو حالة فريدة من التدخل في الأخبار العلمية وتحويرها بما يتناسب مع قناعات ذاتية لدى بعض المحررين وهذا ما تسبب في نشر أخبار خاطئة في وسائل الإعلام العربية. الخطأ المهني الكبير وقع فيه الموقع الإلكتروني لقناة الجزيرة والتي تعتبر أهم قناة فضائية عربية وأوسعها إنتشارا، والذي أعاد نشر خبر بثته وكالة رويترز حول الإكتشاف ولكنه أضاف ثلاث فقرات من قبل محرر القناة، مع تصريح لعالم جيولوجي عربي –لا علاقة له بعلم البيولوجيا- يؤكد أن الإكتشاف أسقط نظرية داروين. الخبر بصيغته المحورة تناقلته تقريبا كافة وسائل الإعلام العربية مكررة الإضافات التي أدخلها محرر الموقع الإلكتروني حسب مزاجه. في واقع الأمر أن الإكتشاف الجديد غير كثيرا من النظريات السابقة حول آلية تطور الإنسان من الأسلاف السابقة ولكن لم ينقض نظرية داروين ومبادئها الأساسية، وكافة التصريحات من قبل الباحثين الذين نشروا الدراسة لم تتجاوز إطار إعادة النظر في مسار تطور الإنسان وليس كافة النظرية. قبل هذا الإكتشاف كانت الأدلة العلمية تشير إلى أن هناك مسار تطور للإنسان يرتبط بسلف مشترك مع الرئيسيات يعود إلى 3.3 مليون سنة، ولكن الإكتشاف الجديد اكد بأن الإنسان ربما يكون قد تطور من سلف آخر ليس مشتركا مع الرئيسيات التي تطور عنها القرد والشمبانزي وهو أقرب إلى صورة الإنسان الحالي وامتد هذا المسار في الزمان مليون سنة أخرى حتى وصل إلى 4.4 مليون سنة هي عمر الأحفورة أردي التي أكتشفت أخيرا. نظرية داروين تعاني من تشوه في نظرة الناس لها حيث يتم اختصارها بأنها تعني تطور الإنسان من قرد ولكن هذا ليس إلا مجرد الجزئية الأقل إقناعا في كل النظرية. أما نظرية داروين التي لم تتغير ابدا ولا حتى بسبب الأكتشاف الأخير تقوم على مقولتين أساسيتين: الأولى أن الأنواع المختلفة للكائنات الحية تتطور عبر ملايين السنين منتجة أنواعا جديدة و بالتالي فإن تلك الأنواع التى نراها اليوم قد تطورت جميعها عن أصول مشتركة عبر مسارات مختلفة . المقولة الثانية هى أن مايوجه تطور الأنواع هو الإختيار الطبيعي أو ما يتم التعبير عنه بمقولة البقاء للأصلح أو الأكثر ملاءمة للظروف البيئية المتغيرة. هذه الأسس لم تتغير من قبل الإكتشاف الأخير وهي موثقة بآلاف الأدلة العلمية. التفاصيل هي التي تتغير وبالنسبة لتطور الإنسان فإن الصورة هي الأقل وضوحا وهذا ما يجعل التفسير الدارويني لتطور الإنسان يعاني من عدة ثغرات ويعطي الحرية التامة لكل شخص في الإيمان بما يعتقد أنه يشكل الصورة الأكثر إقناعا. في السنوات الماضية ظهرت معلومات وأحافير ألقت علامات استفهام على تصور داروين لتطور الإنسان والذي كان يقتصر على عدد قليل من الأدلة في نهاية القرن التاسع عشر. وليس من المستبعد أن تظهر الكشوفات العلمية في السنوات القادمة توافقا ما بين الرؤية الدينية والرؤية العلمية حول تطور الإنسان، ولكن هذا يتطلب نوعا من التغطية الإعلامية للشؤون العلمية تحترم المهنية والحقيقة وتبتعد عن التضليل والتدليس. وللأسف فإن الإعلام العلمي المحترف في العالم العربي لا يزال شبه مفقود ويحتاج إلى الكثير من الجهد والأهم من ذلك التركيز على الحقيقة وعدم توظيف العلم لدحض أو تعزيز قناعات اجتماعية ودينية وثقافية وسياسية، لأنه قد يظهر اكتشاف جديد يعاكس التوظيف الذي تم بتسرع وغياب للمهنية.
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
من اليمن

اخي باتر..
مساء الخير..
اعتقد انك تتفق معي على ان الرد بهكذا موضوع
يحتاج الى ما هو اكثر من مقال صحفي ، ولو كان مقال صحفي فيدب ان يكون معطوفا بدراسة او بحث تفصله اكثر ، لان الموضوع كبير وقديم وارتباطه بالجزء غير المقنع كما قلت من النظرية ، ظل عالقا في العالم العربي بنقيضه الديني ، وربما تعلم انت خصوصا ان ما جاء في نظرية عبدالصبور شاهين حول تطور البشر الحيوان الى البشر الانسان كانت مبنية على شواهد قرانية ، قال فيها انه اعتمد فيها بالكامل على القران ، مثل قوله تعالى ( ان الله اصطفى ادم و.. على العالمين) ( فاذا سويته ونفخت فيه من روحي ..) والتسوية هي التصليح ، فالموضوع برائي البسيط يحتاج لبحث اكثر ما يحتاج لمقال..
ولك تقديري
من الأردن

يا زلمة هادا مش أي عالم جيولوجيا هادا الزغلول اللي أمزغلل
على كل حال طالما الدين الو الرخصة يدخل باللي الو واللي ما اللو وعلماء "الدين" يفتوا بعلم ما الهم علم في ما بتقدر اتلوم المحررين بس بالموضع.
الكل مسئول بالذات اللي بعرفوا اننو هادا الحكي غلط و بسكتوا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية













من لإمارات العربية المتحدة
حقيقة أن ما هو أصعب من موضوع سقف الحرية في عالمنا العربي هو عدم المهنية. فإذا كان الرقيب لديكم منع المقال لهواجس لديه...لم أستطع فهمها...فإنّ عدم مهنية جماعة الجزيرة...وخصوصا موقعهم أصبحت أكثر من تطاق ...والمشكلة أنك إذا انتقدت الجزية فأنت مصنف ضم تصنيفات أقرب للخيانة!!!!