هشام غانم يتنازع الصحافةَ رأيان أو تيّاران. فيرى الرأيُ الأوّل أنّ الصحافة ينبغي أنْ تكون محايدة ومراقبة ومستقلّة ومنفكّة مِنْ أهل القوّة والسلطان. على حين يرى الرأيُ الثاني أنّ الصحافة "رسالة"، و "الرسالة" هذه يجب أنْ لا تكتفي بمراقبة الواقع والخبر أو الإخبار عنه؛ بل التعقيب عليه و "شرحه" وتقديم "النصيحة" للجمهور القاصر. ويسهو أهلُ هذا الرأي أنّ حمل الإعلام على "رسالة"، كائنةً ما كانت هذه الرسالة، يحيله ويحيلها دعاوةً خالصة، ويبعث روائح الحنين إلى زمن الإعلام الشموليّ، ولاسيّما إعلام العهد الستالينيّ الميمون. فوظيفة الصحافة، وفق هذا "الإعلام"، هي "تَسقّط" أو التقاط الأخبار ونشرها على أشهاد جمهور مذعن. فالصحافة ("الرساليّة") تضمر تصوّراً سالفاً وناجزاً عن الحوادث والوقائع. وعلى هذا، تكفّ هذه "الصحافة" عن رواية الحوادث روايةً مُحْكمة ومعلّلة، على هذا القدر أو ذاك. فهي (الصحافة "الرساليّة") لا تقول الوقائعَ والحوادثَ كما هي وبما هي هي، أو كما تقول نفسَها، بل "تقول" ما تريد الوقائعَ أنْ تكنّي عنه وتدلّ عليه. ولمّا كانت "الرسالة" متقدّمة على الوقائع؛ وجب أنْ تلحق هذه بالأولى وتلهث وراءها. فتغدو الوقائع، ههنا، نافلة، أو هي في أحسن التقديرات، تجيء مجيء البرهان على صحّة "الرسالة"، مِنْ وجه، وعلى خطل السياسة الناقضة على "الرسالة"، مِنْ وجه آخر. فقول "الرسالة" يسبق الوقائع ويتستّر عليها بما هو "رسولها" وناقل خبرها وأثرها. فإذا قالت "الرسالة" قولَها، نطقت باسم الوقائع وأوّلّتها. فلا تأتي "الحقائق" (إذا أتت) إلّا على سبيل التمنّي والاشتهاء. وإذا كان قِوام الصحافة هو التشكّك والتحفّظ، فقوام الصحافة "الرساليّة" هو مزيج مِنَ الحدس والرجم والاجترار والرأي. والرأي هذا، ليس على معنى تلقيح الظن والتوهم بشركة العقل والتجربة؛ إنّما على معنى الرجم في الغيب. وهذا وهم لا سند له ولا مصدق من العقل ولا ظهير له مِنَ العيان. وصحافةٌ هذا شأنها، أي لا تزن عملَها بميزان الوقائع والحوادث والأطوار والأحوال، قد تكون إلى اللاهوت والوحي أقرب. فعوض أنْ تنسب الوقائع إلى أفعالٍ وأقوالٍ وفاعلين وأسباب وعلل، تنتسب هذه كلّها إلى الوقائع. و "الرسالة"، مِنْ وجه آخر، تفترض بصاحبها (أي بـ"رسولها") أنْ ينقطع لها ويتوحّد بها. فهي حقّ، وصاحبها، تالياً، على حقّ، ومتّحد بالحقّ، ويعلم اتّحاده بالحقّ. ولكنّ الانقطاع لـ"قضيّة"، مهما بلغت هذه القضيّة مِنَ الصواب والخير، يدفع بصاحبها إلى التبشير بها والدعوة إليها. والتبشير، على معنى الوعظ والإرشاد والخَطابة، هو ضرب مِنَ الامتثال إلى سلطة، سلطة ماورائيّة وغير موسومة، قد تكون سلطة ظلّ. والسلطة هذه، تحسَب أنّ مقارعتها السلطةَ السياسيّة، "نضال" مِنْ غير شكّ ولا تواضع. فتغفل عن أنّ ردّ دعوى السلطة السياسيّة والتشهير بالدعوى هذه، مِنْ طريق وسيلة إخبار ورواية عامّة ومشتركّة تخصّ الجمهور وتتوجّه إليه؛ هما (الردّ والتشهير) نقض صارخ على الصحافة؛ لأنّ الصحافة ليست السياسة. وهذا مرض يلابس الصحافةَ والصحافيّين ربّما على نحو ٍ يكاد يكون يوميّاً. وهو منزع عميق لدى الصحافيّين يلحّ عليهم بتحويل الصحيفة إلى منبر لمعتقَدهم الشخصيّ، محتسبين أنّهم مِنَ الكون في منزلة القلب والدماغ. وإلى هذا، فـ"الرسالة"، تعريفاً، وحيٌ مفارق ومتعالٍ، وعقلُ نصوصها مقيّد برسولها الفرد الواحد، فهو مَنْ يتقلّد مقاليدها ويتولّى تأويلها. فينبغي، والحال هذه، أنْ يذعن الجمهور لواحديّة "الرسالة" ويسلّم لها. وبذا يخرج الجمهور مِنَ الدائرة المشتركة التي تربط الصحافة والسياسة بعضهما ببعض. وهذا ليس حالُ الصحافة الحديثة؛ فهذه لا تنفكّ مِنْ أحوال المجتمع وأطواره، وهي وسيط الجمهور هذا إلى محاسبة السلطة والرقابة عليها. فالصحافة لا تستوي صحافةً بغير جمهور قرّاء؛ وليست القراءة، هنا، على المعنى "الحسّيّ" الخالص، بل على معنى الشهادة والرأي، والردّ والقول، وتكثير الرواية وتفريعها عن الأصل الذي صدرت عنه، وتقليبها على وجوهها والشكّ فيها، وربّما النقض عليها. وتضايفُ الجمهور والصحافة، واشتراط واحدهما الآخر؛ يدعوان (أي التضايف والاشتراط) الجمهورَ إلى إعمال النظر وإنفاذه في الحوادث السياسيّة والاجتماعية. فإذا أُعْمِلَ النظر، انتهى إلى نهاية وانعقد على غاية، وهي غاية يحدوها شوق عارم إلى كمال النفس، وكمال النفس هو العلم، والعلم هو إدراك النفس صورَ الموجودات على حقائقها. والحقائق هذه ليس في وسع "الرسالة" قولها، على ما ألمعت السطور المتقدّمة. وقد ينفع العود، في هذا المعرض، إلى ما قال به المتكلّمون المسلمون في ما خصّ تضايف الجمهور والصحافة؛ أي المخبر ومتلقّّي الخبر. فللنفس قوّتان: قوّة منفعلة (أي آخذة) تستثيب المعارف وتشتاق تعرّف الأخبار؛ فهي انفعال وشوق إلى الكمال. والقوّة الثانية هي قوّة معطية تفيض على الغير بما عندها مِنْ أخبار ومعارف وعلم. فكلّ إنسيٍّ يحرص بإحدى قوّتيه على الفعل وهو الإعلام، وبالأخرى على الانفعال وهو الاستعلام. فإذا صحّ ذلك، اقتضى أنْ يكون الجمهور فاعلاً وليس منفعلاً بـ"رسالة" الصحافة المزعومة. فيُخلص مِنْ هذا كلّه، إلى أنّ الصحافة مرآة المجتمع فوق ما هي "رسالة" الواحد. فـ"الرسالة" تُقوِّل وتعلّم وتعظ و "تُرشد" وتأمر وتنهى. على حين أنّ الصحافة تروي وتقول وتُعْلم وتخبر وتشكّ وتتحفّظ؛ وهي تكتب تاريخ المجتمعات، وتؤرّخ أيّام الناس وأوقاتهم ولحظاتهم ومنعطفاتهم ومنعرجاتهم، وتتعقّب حاجاتهم وأشواقهم وأهواءهم وسعيهم، على غير دراية-ربّما- منها أو تعمّد. وليس هذا شأن "الرسالة". هشام غانم
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
صديقي العزيز باتر
أنا عاجز عن الشكر لك ولمقدّمتك اللطيفة التي ربّما أعطتني أكثر مِنْ حقّي، وأكرّر الشكر على نشرك مقالي في حيّزك الخاصّ الذي هو ملك لك وحدك.
بالنسبة لـ"لغة الكتابة" قد تكون فعلاً "صعبة"، والأمر هذا قد يكون ملازماً لي مِنْ غير تعمّد، فهكذا أنا. أمّا بالنسبة لـ"غالبيّة الناس" التي يتعيّن علينا أنْ نتوجّه لها بالكتابة فأنا مُصاب بكميّة إحباط هائلة مِنْ هذه "الغالبيّة"؛ فبأيّ "لغة" و أيّ منطق يمكننا أنْ نتوجّه لمعلّقي الموقاع الإلكترونيّة مِنْ أمثال "أبو قنوة" و "أردني حتّى النخاع" و "أباتشي"؟؟ أمّا النخبة المزعومة فلا يوجد لدي أوهام عنها؛ لأنّها غير موجودة أصلاً. على أيّة حال شكراً مرّة أخرى على استضافتي في مدوّنتك وأعدك أنْ أحاول الكتابة بأسلوب أسهل وبلغة أبسط.
تحياتي الحارّة
من الولايات المتحدة

أخ هشام، اتفق مع باتر في قضية إستعمال لغة أسهل حتى تصل المعلومه و رسالتك لقارئ بسهوله. أما بالنسبه "لغالبية الناس" إلي حكيت عنهم، فأنا برأيي انك ما بتقدر تضع كل اللوم عليهم، لأنهم نتج المجتمع والمجتمع هو نتاج سنوات من التفاعل بين افراده مع بعضهم ومع المتغيرات سواء داخلياً أو خارجياً. وأراء الناس هي تجسيد للي بيسمعوا بالإعلام المحلي والعربي، وهي ايضا أحد مخرجات التعليم والحياة الأسريه. صحيح في ناس بجم، بس برضو إذا الكل بدو ييأس معناتها أكلنا هوى.
شد حيلك 
من الولايات المتحدة

السيد هشام كاتب رائع ويملك موهبة لا يملكها الكثير ممن يسمون انفسهم كٌتاب
ولغة الكتابة الرائعة التى اختص بها هي ما يميزه عن غيرة من الكتاب في وقتنا هذا,
الصحافة مساحة للرأي الحر وان حادت عن هذا الطريق فنحن كأحرار وجب علينا نوضح ذلك وأعلانه للجميع , وعدم نشر المقال هو خسارة لهم
شكرا لكَ سيد باتر
ولـ هشام مزيداً من التقدم
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية














من الأردن
والله جريدةالغد هي الخسرانة