مرصد الأردن
هنا أكتب ما أريد، بعيدا عن قيود الإعلام التقليدي

عرض كتاب مروان المعشر - الجزء الأول: أول سفير أردني في إسرائيل

يوم الأحد الماضي نشرت صحيفة الدستور العرض الذي قمت به لكتاب "الوسط العربي: وعد الاعتدال" والذي ألفه وزير الخارجية الأردني الأسبق د. مروان المعشر وفيه الكثير من التفاصيل المثيرة المتعلقة بالسياسة الداخلية والخارجية. أعيد في هذه المدونة نشر عرض الكتاب في أربع أجزاء

 

مقدمة
هناك ثلاث مزايا رئيسية لكتاب د. مروان المعشر المنشور تحت عنوان "الوسط العربي: وعد الاعتدال" عن مطبعة جامعة ييل الأميركية. الميزة الأولى هي أنه يمثل حالة نادرة لدبوماسي وسياسي أردني قرر أن يكتب خلاصة تجربته السياسية متضمنة الكثير من الآراء الصريحة والحوادث المثيرة والمعلومات التي تنشر للمرة الأولى، وهو لا يزال في إطار "زمني" من المهنة السياسية والعمر يسمح له بالعودة إلى مرة إلى ساحة العمل السياسي الرسمي. هذه الميزة يمكن تقديرها بالمقارنة مع حقيقة أن معظم السياسيين الأردنيين يمتنعون عن كتابة مذكراتهم أو تجاربهم السياسية إلا بعد أن يضمنوا أن الوقت قد تجاوزهم في إمكانية العودة إلى دائرة العمل السياسي الرسمي ولم تعد هناك "فرص" يمكن أن يخافوا عليها في حال كتبوا آرائهم بصراحة.

الميزة الثانية هي أن المؤلف حاول بجرأة التصدي لدور ليس شعبيا ولا سهلا في العالم العربي وهو شرح ودعم مواقف الاعتدال العربية المؤمنة بالحلول السلمية للصراعات في المنطقة وخاصة الصراع العربي-الإسرائيلي وهو الخطاب الذي يجد صعوبة في الوصول إلى الشارع العربي والرأي العام المفعم بمشاعر الغضب من التاريخ الإجرامي للدولة العبرية والسياسات الخارجية التي وضعت المنطقة في حالة من العنف والتوتر وانتهاك كرامة الإنسان. ولكن كتاب المعشر يمثل دفاعا مسهبا ومنطقيا حول سياسات الاعتدال والسلم بالرغم من كل الصعوبات التي تواجهها.

الميزة الثالثة للكتاب أنه نشر أولا باللغة الإنجليزية عن دار نشر عريقة ورائدة في الترويج لكتبها وهذا ما ساعد في وصول الكتاب سريعا إلى ساحة "الإنتلجنسيا" الأميركية سواء كان من خلال المثقفين والنشطاء السياسيين أو الدبلوماسيين أو مراكز الأبحاث والدراسات. أهمية هذا الوصول تكمن في حاجة السياسيين والمثقفين العرب إلى المزيد من القدرة على مخاطبة الرأي العام ومراكز صناعة القرار الأميركية والغربية بالطريقة التي تفهمها هذه الأوساط مع الحرص على تقديم الرأي العربي الواضح والصريح في تفاصيل العلاقة العربية الأميركية وخاصة ما يرتبط فيها بالصراع العربي الإسرائيلي.

 

يبدأ د. المعشر كتابه بالمشاعر التي إنتابته عقب سماعة لنبأ التفجيرات الثلاث في عمان في نوفمبر 2005 والدور الذي قام به كناطق رسمي للحكومة في إيصال المعلومات المطلوبة للأردنيين والعالم حول تفاصيل ذلك الإعتداء الغادر الذي أودى بحياة 60 شهيدا في ثلاث فنادق في عمان. وتذكر أيضا نفس المشاعر التي أحس بها في الحادي عشر من سبتمبر 2001 عندما ركب طائرة من مطار دالاس في الولايات المتحدة تقريبا في نفس الوقت الذي ركب فيه خاطفو الطائرات التي شاركت في اعتداءات 11 سبتمبر. وكان المعشر في ذلك الوقت سفيرا للأردن في الولايات المتحدة ويقوم بالتجهيزات اللازمة لزيارة الملك عبد الله الثاني التي كانت مقررة في نفس اليوم ثم تم تأجيلها لأسباب أمنية بعد الاعتداءات. حاول المعشر في هذه المقدمة الربط المباشر ما بين قسوة الإرهاب الذي حدث في الأردن وفي الولايات المتحدة مؤكدا بأن الإرهاب عندما يحدث لا يميز بين الضحايا وأن العرب والمسلمين والأردنيين هم في مقدمة ضحايا الإرهاب.

ويقول المعشر في وصف مشاعره بعد الإنتهاء من قيامه بواجباته كناطق رسمي في تلك الليلة المشؤومة: " عندما قدت سيارتي إلى المنزل في حوالي الثالثة صباحا، مرهقا ومصدوما من أحداث الساعات السابقة، تراكمت الكثير من الأسئلة في عقلي: إلى أين يتجه الشرق الأوسط؟ لماذا أصبح صوت تنظيم القاعدة هو الأعلى في الإسلام بدلا من الإسلام الحقيقي المعتدل؟ لماذا كانت كل الجهود لرامية لتحقيق إنفراج في التحديات الرئيسية للمنطقة مثل السلام والإصلاح والحرب ضد الإرهاب معطلة".

ويقول المعشر أن كتابه يهدف إلى نشر القصة البديلة عن جهود الاعتدال والسلام والإصلاح في المنطقة ويحاول أن يوضح عن طريق الحقائق والتجربة الذاتية مدى النجاح والفشل والإحباط في جهود دعم سياسات الاعتدال في المنطقة وذلك من خلال صوت يعكس ما يحدث في المنطقة ويعكس رؤية من داخل العالم العربي وأن يكون باللغة الإنجليزية ليكون موجها إلى الرأي العام الغربي بدلا من ترك كل أنواع التقييم والدراسة حول المنطقة لباحثين من خارجها.

 

أول سفير أردني في إسرائيل

 

بعد أن يقدم المعشر في الفصل الأول عرضا سياسيا وتاريخيا للمنطقة ودور الأردن فيها وسياساته المستندة إلى الحل السلمي القائم عن طريق الدولتين، وهو فصل يمثل ملخصا أمينا ودقيقا لتاريخ الأردن في الجهود السياسية الإقليمية والدولية ينتقل المعشر للحديث عن تجربته الإستثنائية في كونه أول سفير للأردن في إسرائيل بعد توقيع اتفاقية السلام في العام 1994.

ومع أن المعشر كان ناطقا رسميا للوفد الأردني في المفاوضات متعددة الأطراف والثنائية ما بين 1991-1994 ويعلن عن قناعته التامة بالسلام فإن المعلومات التي وصلته من سمو الأمير الحسن حول رغبه المغفور له جلالة الملك الحسين في تعيينه أول سفير في إسرائيل كانت مثار تفكير عميق وحتى قلق للمعشر، حيث يقول في هذا السياق:" عدت إلى منزلي مضطربا. كان ذلك شيئا لم أتوقعه ولم أكن مستعدا له. أنا أؤمن بالسلام وأعرف أنه الخيار الأمثل للعرب والإسرائيليين لكن السلام لم يكن شاملا حتى الآن ولم ينه الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية. كيف لي أن أشعر إذا قامت وسائل الإعلام التلفزيونية بتصويري وأنا في مواقف اجتماعية مع الإسرائيليين بينما الدبابات الإسرائيلية تدمر المدن الفلسطينية؟ وفي نفس الوقت كنت قلقا في أنني لو رفضت الطلب ربما أكون أخون مبادئي. أليس هذا العمل فرصة حقيقية لبناء السلام الذي نريده وهل يمكن لي أن أقنع الإسرائيليين بأن السلام مع الفلسطينيين لا بد من تحقيقه؟ وفي ذهني أيضا كانت مواقف زوجتي وعائلتي والكثير منهم لم يتجاوز الحاجز النفسي بعد؟

يعرض المعشر بكثير من المشاعر والبوح الذاتي تفاصيل قبوله لهذه المهمة ومدى الصعوبة التي واجهها في التعامل مع عائلته ومع المجتمع المسيحي في الأردن والذي كان قلقا من إساءة تفسير واقع أن أول سفير أردني في إسرائيل كان مسيحيا. كما ذكر المعشر بكثير من التفاصيل جهوده في بناء علاقات مع القوى السياسية الفاعلة في فلسطين ما قبل 1948 وخاصة القوى القومية والإسلامية والعودة إلى منزل والدته في يافا وكيفية تخلصه من المواقف المحرجة وخاصة ذات التغطية الإعلامية عند حضور المناسبات الدبلوماسية. وفي نفس الوقت يكتب بمرارة واضحة عن عدم توجيه أية دعوة رسمية له من قبل السلطة الوطنية الفلسطينية أثناء وجوده سفيرا في إسرائيل.

ويذكر المعشر في كتابه أيضا تفاصيل ليلة إغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين والتي كان فيها المعشر والسفير المصري البسيوني جالسين إلى جانب رابين في التظاهرة السلمية الحاشدة في تل أبيب إلى ما قبل دقائق معدودة من إطلاق النار على رئيس الوزراء الإسرائيلي. ويوثق المعشر تفاصيل مواجهاته الصدامية مع رئيس الوزراء اللاحق بنيامين نتنياهو ومدى عجرفة الأخير ورغبته بعدم تحقيق اي تقدم سلمي مع الفلسطينيين.

وفي هذا الفصل العديد من الوقائع المثيرة ومنها تصريحات لمروان المعشر حول التلكؤ في العملية السلمية تم الإستشهاد بها من قبل زعيم حزب الله حسن نصر الله وتسببت في عدم رضا من المراجع السياسية في الأردن والطلب من المعشر الإبتعاد عن عمان فترة ما!

 

يركز الفصل الثالث على الأشهر الأخيرة من حياة المغفور له جلالة الملك الحسين أثناء علاجه في الولايات المتحدة حيث كان المعشر سفيرا في ذلك الوقت. هذا فصل مفعم بالعواطف والشواهد المؤثرة حول علاج الملك الحسين واستمراره في لعب الدور السياسي النشط في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية وخاصة في اتفاقية واي ريفر. ولكن أهم القضايا التي ركز عليها المعشر هي وجود رغبة مسبقة لدى جلالة الملك الحسين في إعادة ولاية العهد إلى "الأمير عبد الله" وذلك ترسيخا للنمط الدستوري الذي تغير في الستينات بسبب صغر سن الأمير عبد الله وازدياد شدة الضغوطات الأمنية على الأردن في ذلك الوقت وبالتالي التوجه نحو تحويل ولاية العهد إلى سمو الأمير الحسن شقيق الملك. وحسب كتاب المعشر والذي كان حاضرا في معظم الاجتماعات الرسمية التي عقدتها الملك الحسين مع زوار من الأردن خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام 1998 فإن الملك أعلن أنه بصدد إجراء "تغييرات كبيرة" عندما يعود إلى الأردن من أجل طمأنة الأردنيين على مستقبل البلاد ولكن لم يقم أبدا بالإعلان المباشر عن أن مثل هذه التغييرات سوف تطال ولاية العهد إلا في الأيام الأخيرة من عمر جلالته حيث قام بتنفيذ إجراءات تغيير ولاية العهد والتي تحققت في الخامس والعشرين من كانون الثاني (يناير) 1999.

ويستمر الفصل في توثيق القصة الحزينة لتراجع صحة جلالة الملك وفيض المشاعر التي إنتابت جميع من كان متابعا للساعات الأخيرة من حياة الملك الراحل. ويوثق المعشر آخر لقاء جمعه مع جلالة الملك قبل دخوله الغيبوبة وكان ذلك في المستشفى في التاسع والعشرين من كانون الثاني 1999 حيث قال الملك للمعشر: "أنا أشعر بالسلام والسكينة مع ذاتي. ضميري مرتاح لأنني فعلت ما هو الأفضل للأردن".

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني