تلقيت دعوة كريمة للمشاركة في اللقاء الذي نظمته وزارة التنمية السياسية مع عشرات الكتاب والصحافيين والذي كان يفترض أن يكون برعاية رئيس الوزراء.
في بداية الأمر وافقت على المشاركة ولكن في الساعات الأخيرة وبعد تفكير عميق توصلت إلى قناعة بعدم جدوى المشاركة.
هذا القرار لم يكن ابدا نوعا من عدم التقدير لموجهي الدعوة أو أي من الزملاء الحاضرين ولكنها قناعة شخصية تولدت لدي بأن التنمية السياسية في الأردن ليست حاليا إلا وهما وأن هذا الوهم بحاجة إلى أن يتعرض لتسليط ضوء قوي عليه حتى يتفكك ولا تستمر عمليات الدوران في نفس الدائرة منذ سنوات طويلة.
الحوار بحد ذاته هو نشاط اجتماعي وسياسي مقبول ولكن بشرط أن يكون وسيلة لا غاية بحد ذاتها تنتهي عندها الكلمات وتتجمد.
في تاريخ التنمية السياسية في الأردن اشعر بأن كل ما يمكن أن يقال حول خيارات وبدائل وقرارات التنمية السياسية قد قيل ولا يوجد المزيد. لا أعتقد أننا كمجموعة من الكتاب والصحافيين وحتى وزير التنمية السياسية ولا رئيس الوزراء - لو كان قد فضل اللقاء حول التنمية السياسية على التزامه الخاص - يمكن أن يقدم فكرة جديدة.
كل ما نريد الحديث والحوار عنه موجود في عشرات ورش العمل والحوارات الاجتماعية التي قام بها الوزراء السابقون في كل المحافظات وكذلك في اللقاءات مع الأحزاب والصحافيين والمثقفين والأكاديميين والأهم من ذلك موجود في وثيقة الأجندة الوطنية التي تحدد ملامح ممتازة للتنمية السياسية.
كل هذه الوثائق والآراء موجودة لدى الوزارة ويمكن لأي باحث نشط وكفؤ من الموجودين في الوزارة أن يطور وثيقة ملخصة من 20 صفحة تتضمن أفضل ما أنتجته العقول الأردنية عن التنمية السياسية ويقدمها للوزير ولرئيس الوزراء لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
الحوار كما اسلفنا من المفترض أن يكون وسيلة نحو غاية هي مأسسة التنمية السياسة وجعلها نظام حياة وهذا ما يتطلب القرارات والتشريعات. الأساس هو وجود الرغبة في تحقيق التنمية السياسية وهذا ما أعتقد شخصيا أنه غائب في الأردن. الحكومة اعتمدت الأجندة الوطنية كبرنامج عمل للسنوات 2007 - 2010 وحولت جميع توصيات الأجندة تقريبا إلى مشاريع محددة بنشاطات ومسؤوليات ووقت للتنفيذ ومؤشرات مراقبة وتقييم. كل فصول الأجندة الوطنية تحولت إلى مشاريع ملزمة للحكومة ، باستثناء فصل واحد فقط.
لا توجد لدي جائزة لمن يعرف ما هو هذا الفصل لأن الجواب سهل لكل شخص ذكي ، وهو أن الفصل الغائب هو الخاص بالتنمية السياسية والمشاركة. ما هو مطروح في الأجندة الوطنية حول التنمية السياسية لم يصل إطلاقا إلى برنامج عمل الحكومة وكأنه قد تم إبعاده فورا بالرغم من أن معظم التوصيات موجودة ايضا في وثيقة كلنا الأردن التي شكلت توافقا وطنيا.
الحكومة غير معنية إذا بالتنمية السياسية لأنها لم تضع مشروعا ونشاطا وهدفا واحدا في برنامجها المستمد من الأجندة الوطنية حول التنمية السياسية وهذا يعني أن كل حوار هو ضياع للوقت. أحترم رؤية الكثير من الزملاء الذين يعتقدون أن الحوار مهم لاستمرار الزخم حول التنمية السياسية و لكن ما هي فائدة الحوار إذا كانت الأجندة الوطنية تقول وبكل وضوح من ضمن توصياتها "إعادة النظر بقانون الاجتماعات العامة وإلغاء الموافقة المسبقة على عقد تلك الاجتماعات" وبعد ذلك يتم إقرار قانون الاجتماعات بتوافق حكومي - نيابي متضمنا الموافقة المسبقة من جديد؟ وهناك العديد من الأمثلة التي توضح حالة إنفصام ما بين القول والفعل.
التنمية السياسية تتطلب الإرادة أولا ومن ثم الحوار. الإرادة بدورها بحاجة إلى توافق من مفاتيح صناعة السياسة الداخلية في الأردن على مفهوم التنمية السياسية من أجل الإتفاق على التشريعات المناسبة. هنالك على الأقل خمسة وزراء وعشرة أعيان وعشرة نواب يمثلون جوهر صناعة التشريعات في الأردن ، إضافة إلى ديوان التشريع وبعض الشخصيات الإستشارية الهامة وهؤلاء هم من يجب أن يؤمن بالتنمية السياسية ويتم الحوار معهم وبينهم. حتى الآن تعتبر هذه الشخصيات أو معظمها من المعارضين للتنمية السياسية بمهومها الإنفتاحي ولم يقم اي منهم بإبداء معارضة واضحة وحقيقية لمشاريع قوانين مثل الاجتماعات العامة والجمعيات أثناء صياغتها من قبل الحكومة ومناقشتها في مجلسي النواب والأعيان.
هل الأمل مفقود في التنمية السياسية؟ بالطبع لا لأن هناك الكثير من العناصر الإيجابية التي يمكن التنسيق بينها لتحقيق تقدم ملحوظ نحو المزيد من الحريات العامة في الأردن. أهم القوى الدافعة نحو التنمية السياسية هي جلالة الملك عبد الله الثاني المؤمن تماما بمفهوم التنمية السياسية ، العنصر المهم الثاني هو التطور في الاتصالات والمعلوماتية والصحافة بحيث باتت عملية الوصاية على المعرفة والرقابة مجرد مفهوم سخيف يعود إلى عقود ماضية ويمكن تجاوزه بسهولة. تطور مؤسسات المجتمع المدني عنصر آخر مساهم في العوامل الإيجابية ولكن هناك حاجة إلى المزيد من النشاط الحزبي والسياسي المتطور البعيد عن الإيديولوجيا الجامدة أو المناكفة المستمرة مع الحكومات على قضايا هامشية مثل مهرجان الأردن وغيره.
التنمية السياسية بحاجة إلى أدوات سياسية ومؤسسية وتشريعية حتى تتحقق وبدون ذلك فإن كل الجهد يكون كلاما في الهواء. التغلب على الحلقة المفقودة ليس مسألة سهلة ابدا ولكن دعونا على الأقل نعرف أين المشكلة حتى لا تضيع الجهود سدى ويتم وضع المسؤولية في الإخفاق على من يتحملها فعلا لا من يتصدى إعلاميا لها.
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
من الأردن

الاستاذ باتر
لا اعرف هل طالعت مقال
افكار في التنمية السياسة
http://stepone.jeeran.com/archive/2008/5/558370.html
هذا لتفعيل الشباب ودورهم
ان ارادت الارادة السياسية ان تقوم بالمطلوب منها
وهي احداث نقلة نوعية في المفاهيم والخطوات
ولكن
دعني اقول لك سيدي
هناك خوف عند البعض من هذه الفئة التي لا تشجع التعددية
ولا تنحى في رأيها للوسطية
وكذلك لا يردون الا تطبيق الصوت الواحد
وكذلك لا يريدون الا تكون انتخابات على الكتالوج
حينما يتبدد هذا الخوف وحينما نزيد العدل في توزيع النسب للمناطق التي لها زخم في عدد النواب
حينما يأخذ بالافكار الجديدة المناسبة للتنمية الحقيقة
حينما اشعر ان الاحزاب تحقق لي وجودها من خلال بناء جامعة سياسية كبرى وبدعم من الحكومه
عندها اقول لك يمكننا ان نصنع تنمية حقيقية لا تنمية سياسية ورقية
وتحياتي
من الأردن

don't worry, the holy godsend king will fix everything with his magic wand, the same way he and his father has fixed all the problems that ever happened in Jordan's history........not
من الأردن

الاخ باتر,
هنالك احتمالان لما تفضلت به, اما ان جلالة الملك متحمس للتنمية ويدفع بأتجاهها والحكومة ( سواء الرسمية او الظل ) غير مقتنعة بحماسه وتوجهاتة المنفتحة وبالتالي استطاعت ان تقنعه بالتريث (او) ان جلالته غير مقتنع بنضوج المسرح السياسي في الاردن بالاضافة الى الظروف الاقليمية المحيطة مما يدفعه باتجاه التريث في اي تنمية فعلية على ارض الواقع, مهما تكن الاسباب فالحل بيد جلالة الملك فهو رأس الدولة والحماس لا يعني بالضرورة القناعة واي تنمية سياسية ستبقى رهينة الظروف الاقليمية المحيطة على الرغم من قناعتي التامة بأن السبيل الوحيد للحفاظ على اردن قوي هو بوجود احزاب سياسية قوية ومعارضة قوية ذات اجندات اردنية والحل يبدأ بتغيير قانون الانتخابات العجيب وانتخاب مجلس نواب فعال وليس ديكور او سحيجة للحكومة, وتبقى قناعتي وقناعتك وقناعة المواطن الاردني تختلف عن قناعة الحكومات سواء ما ظهر منها او بطن وتاثيرهم على صاحب القرار ( جلالة الملك ) اقوى مني ومنك ومن اي مواطن.
من سويسرا

مادام ثبات الحالمن المحال، فقد قرأت اخيرا مقالا على موقع سويس إنفو العربي، وفيه يؤكد الكاتب على أن الأوضاع في الأردن ومصر مقبلة على تغيير جذري قريبا، خاصة بسبب انغلاق الأوضاع هناك، وبسبب الأزمة الإقتصادية، ونضوج شروط التغيير.
ولمزيد من التفاصيل يمكنكم العودة غلى الرابط التالي
http://www.swissinfo.org/ara/front.html?siteSect=109&ty=st&sid=10386666
مع التحية
عابر سبيل
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية















اية حلقة مفقودة؟ لايوجد سلسلة تنمية من الأصل. هنالك تمثيلية سخيفة فقط للإستهلاك الغربي.