مرصد الأردن
هنا أكتب ما أريد، بعيدا عن قيود الإعلام التقليدي

النتائج السلبية لإنسحاب الطبقة الوسطى من العمل العام في المجتمع

أعتقد بأن دراسة إبراهيم سيف وياسمين الطباع حول تكيف – أو بالأحرى عدم تكيف- الطبقة الوسطى في الأردن مع آليات النمو الاقتصادي سوف تصبح من ضمن المراجع الرئيسية لأية دراسة منصفة وشاملة للاقتصاد الأردني تتجاوز الأطر الترويجية والتبريرية المرتبطة بخطاب الاقتصاد الرسمي.

تحاول هذه الدراسة إطلاع الأردنيين على صورة أكثر شمولية لحالة الاقتصاد لا تظهرها أبدا إحصائيات الناتج المحلي الإجمالي والتي تراوحت في السنوات الماضية ما بين 4.5- 7% وهي نسب عالية جدا تتجاوز كل دول أوروبا الغربية تقريبا ولكنها نسب خادعة لأنها لا تظهر حقيقة التباين في الدخل ولا حقيقة التضخم وتستند فقط على المنتجات المادية من النشاط الاقتصادي المرتكز في مجمله على الإستثمار العقاري والسياحي والأراضي لا النشاط الإنتاجي التوظيفي.

ليست مفاجئة تلك النتائج التي تقول بأن 10% من الأردنيين يملكون 30% من الثروة وكذلك يملك 30% حوالي 60% من الثروة لأن مجتمعات العالم كله تعاني من مشكلة عدم المساواة في توزيع الثروات منذ ايام الحضارة الأولى بين الرافدين. ولكن حسن إدارة الدول اقتصاديا ووجود الكفاءة إلى جانب الأمانة يمكن أن يؤدي إلى تقليص الفجوة. وقد أظهرت الأرقام المرجعية التي استخدتها دراسة سيف والطباع أن أغنى 10% من السكان في جمهورية التشيك يملكون 19% من الثروة وهذا ما يعني أن وجود إدارة مناسبة للاقتصاد يمكن أن تحقق بعض العدالة في دولة تحولت من منظومة اقتصاد مركزي يتميز بالرعاية إلى اقتصاد مفتوح بشكل يتقارب مع الأردن.

إذا كانت هذه الأرقام في الدراسة شكلت أول مرجعية إحصائية متكاملة حول التباين في الدخل في الأردن فإن التمايز الطبقي بات يشكل ظاهرة مؤثرة سلبيا على الأمن الاجتماعي. قبل اسبوعين قرأنا في صحيفة اسبوعية عن قيام مجموعة من الطلبة الأثرياء في جامعة خاصة بإرسال مذكرة إلى رئاسة الجامعة للمطالبة برفع الرسوم الجامعية لمنع الطلاب الأفقر من الدخول إليها ليصبح المجتمع الجامعي بمثابة ناد نخبوي للأثرياء مثل المدارس والنوادي الجديدة والمخصصة لفئة واحدة من المجتمع هي ذات الثراء العالي والتي تحاول تركيز الثروة  ودعم فرص القيادة للجيل الجديد من هذه الفئة بعيدا عن المجتمع الأردني.

وما ساعد على ذلك النمو السريع للثراء الناجم عن الربح السريع في المضاربات والأسهم والعقارات والأراضي وهو ربح غير إنتاجي بعكس ما يحدث في العديد من دول العالم التي تنتقل إلى مجتمع المعرفة

في مواجهة هذه التغيرات العاصفة في التركيبة الاجتماعية يجد أبناء الطبقة الوسطى من المهنيين والموظفين وأصحاب التعليم العالي والتوظيف الذاتي أنفسهم في مواجهة واحد من طريقين كل منهما يتطلب الإنسحاب التام من المشاركة في جهود بناء المجتمع وهويته والتي كانت من الخصائص الأساسية للطبقة الوسطى.

فئة من الطبقة الوسطى تملك طموحا للدخول في نادي النخبة الاقتصادية والذي يتطلب التركيز على زيادة الدخل المادي لتحسين فرص التعليم للأبناء وفرص تنمية الذات والحصول على مزيد من الأصول والموارد وهذا قد يتم إما من خلال الإستثمار في التعليم والجهد الذهني والمهني والوظيفي لساعات طويلة في اليوم وبالتالي التخلي عن دور المشاركة في العمل العام والذي يتطلب الوقت ولا يقدم المردود المالي. الخيار الأخر هو الدخول في مغامرات الربح السريع والتي عادة لا تنجح مع أفراد الطبقة الوسطى لضعف الخبرة وقلة الأصول المالية الممكن استثمارها في المضاربات.

فئة ثانية من الطبقة الوسطى تخلت عن حلم ملاحقة طموح النخبة وتخلت مرغمة عن المشاركة في العمل العام وأصبح الهدف الأساسي لها هو البقاء وتوفير متطلبات الحياة ولو بدرجات أدنى من الجودة. الإنسحابات العديدة من المدارس الخاصة نحو الحكومية هي سمة من سمات التحول في الطبقة الوسطى وكذلك الإقتراض من البنوك لتحقيق متطلبات الحياة الأساسية لأن كلفة التعليم والصحة والغذاء والمسكن والملبس والطاقة باتت بعيدة عن قدرات الطبقة الوسطى إلا من خلال الديون أما خيارات الترفيه والتنمية الثقافية والمشاركة في العمل العام فقد أصبحت في درجات أدنى من سلم الأولويات.

يخسر المجتمع الأردني ثروة بشرية كبيرة في إنسحاب الطبقة الوسطى من العمل العام ولكن ربما يكون الاقتصاد قد استفاد من مزيد من الإنتاجية. لقد اصبح المهني والموظف في الطبقة الوسطى بحاجة إلى مضاعفة الإنتاجية للحصول على مزيد من الدخل وباتت خيارات العمل الإضافي وحتى التوظيف الذاتي شبه حتمية لنسبة عالية من الناس وربما ينعكس ذلك على الإنتاجية الاقتصادية إيجابيا ولكنه بالتأكيد يعني خسارة طاقة كبيرة يمكن الإستفادة منها في البناء العلمي والثقافي والحضاري للدولة وهي مهمة من الصعب أن يقوم بها الأثرياء من غير البورجوازية الوطنية التاريخية ومن الظلم أن نطالب بها الفقراء.


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني