مقال لم ينشر في الصحافة اليومية صناعة النخبة في دول العالم العربي عملية معقدة وتختلف تماما بين الدول. في الخليج العربي ارتبطت صناعة النخبة بالعائلات المالكة التي لم تضع الفواصل بين السياسة والبيزنس كما ارتبطت بصناعة النفط وحاليا الإستثمار والبورصة مع الفائض المالي الهائل. في دول أخرى ذات الأنظمة العسكرية والحزبية كانت النخبة هي صناعة حزبية وعائلية ضيقة. في الأردن يمكن القول أن هناك نمطا تاريخيا من صناعة النخبة ربما يقترب قليلا من مصر ويعتمد على الدمج ما بين النفوذ السياسي والاقتصادي ولكن مع وجود بعد تنموي وبورجوازي وطني. في بدايات نشأة الدولة الأردنية كانت النخبة السياسية والاقتصادية مكونة من مجموعة من العائلات ذات العراقة أو النفوذ الاجتماعي والتي تمكنت من الربط ما بين المناصب السياسية في القطاع العام والقدرة على الريادة في القطاع الخاص والتجارة وخاصة في القطاعات الإنتاجية. في فترة السبعينات والثمانينات ارتبطت النخبة ايضا بوكالات الشركات الأجنبية والتجارة وتحول ذلك مع التسعينات إلى التجارة بالأراضي ومن ثم العقارات والبورصة. في هذه المرحلة حافظت بعض العائلات والنخب التاريخية على مكانتها بينما تم دخول عائلات وفئات جديدة إلى النخبة الاقتصادية الأردنية بسبب الثراء السريع والواسع الناجم عن تجارة الأراضي والعقارات والمضاربة بالأسهم وغيرها من وسائل الإثراء السريع. معظم العائلات والأسر في النخبة التقليدية لها جذور تاريخية في بناء الدولة بغض النظر عن أصولها الجغرافية شرقا وغربا وشمالا وجنوبا وهي قادرة على تلمس احتياجات المجتمع والتنمية والتعاطف معها من خلال خبرة في العمل العام ولكن هذه النخب التقليدية التي ارتبطت بالقرار السياسي في القطاع العام باتت تجد نفسها تتراجع أمام النمو السريع للنخب الثرية الجديدة والتي ساهمت في إحداث فارق حقيقي في التباين الطبقي نظرا للكثير من الممارسات الاجتماعية المترفة لهذه الفئة والتي يبدو أنها تريد تحقيق الانقطاع التام عن ماضيها. هذه الفئات من النخب الجديدة تحاول الآن بناء هوية اجتماعية من خلال الإنضمام إلى وبناء "مؤسسات" خاصة بها مثل أندية ومدارس باهظة التكاليف تقوم "بصناعة القادة المستقبليين للأردن" حسب إدعائها ضمن منظومة ضيقة يجمع بينها الثراء المادي فقط بغض النظر عن المستوى التعليمي أو الثقافي أو الدور التاريخي في المجتمع. شبكة اجتماعية واقتصادية جديدة نشأت في الأردن كما في كل الدول التي تمر في مرحلة انتقالية من اقتصاد رعاية إلى اقتصاد مفتوح. ولكن هذه الشبكة لا تتميز بكثير من الخصائص الريادية Entrepreneurs كما في كثير من الاقتصادات المعرفية فلا يوجد في الأردن طبقة واضحة من رواد حققوا ثراء من خلال مغامرات ذكية وخلاقة في ميادين المعلوماتية والصناعة والخدمات بقدر ما هناك ثروات تجمعت في المضاربة وفي صفقات التخاصية والإستثمار الخارجي. هذا النقص في الرواد الأردنيين مؤشر سلبي على أن الإبداع طويل الأمد والمستند إلى التخطيط الإنتاجي ليس طريقا مقنعا للوصول إلى الثراء بقدر ما هي المضاربات السريعة ولذلك فإن اية نخبة تفرض نفسها على ساحة القرار السياسي والاقتصادي في الأردن بدون جذور إنتاجية وبطريقة تمارس فيها إنتقاما من هويتها السابقة ومحاولة لعزل نفسها في برج عاجي من المؤسسات الإقصائية لن تساهم في تحقيق تنمية شاملة في البلد وسوف تقوم بإقصاء الكثير من الخبرات والكفاءات عن عملية اتخاذ القرار بسبب عدم قدرة هذه الكفاءات على الدخول في آلية صناعة النخبة الجديدة.
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
من الأردن

اخ باتر
قال الاستاذ مهند نصف الذي كنت اود كتابته
صناعة النخبه الجديده مفيده
ولكن لي عتب عليك
لانك لم توضح دور التدخلات التي تجعل من النخب
القادرة على احداث نقلة من ابن الوزير سفير
الى نقلة ابن الخفير وزير
هذا هو لعلمك هناك من يحجم اقتصاديات السوق
فيجعل اثر الاصلاحات يطير
ولكن لا بد من ان تتنبه الدولة الى ان زمن النخب سيتناقص دوره فنحن بحاجة لمبادرات ابداعية تناسب النقلات
الاقتصادية القادمة والتغيير الذي
سيحصل على قانون الانتخاب ويعيد المياه الى بعض السيول اثناء جر مياه الديسي
اكيد لك زمن لم تدخل مدونتي لترى ما حصل في كوكب المريخ
دعوة لك لتتفضل وتعلق على مشروع الديسي ومشروع الديسكو
تحياتي
تيسير
I usually disagree with most of your opinion pieces, often times strongly. But this is a brilliant piece of analysis. congrats
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية















من الولايات المتحدة
باتر، بدي أختلف معاك، شو كان دور العائلات والشخصيات إلي بتحكي عنها في بناء الدوله؟ وشو تعريفك للدوله؟ بسأل لإنو البعض بعرف الدوله على انها النظام..إذا كان هذا هو قصدك ففعلاً كان الهم دور..أما بناء الدوله بمفهومها المتعارف عليه دولياً، فهؤلاء النخب(معظمهم) هم السبب في معظم ما نعاني منه من مشاكل وحواجز تقف في وجه أي تنميه حقيقيه على كل الصعد.
أما بالنسبه لتكوين مؤسسات خاصه بالنخبه الجديده كما تسميها فهذا مش اشي جديد. العائله أو العشيره تمثل أحد هذه المؤسسات، يكفي النظر إلى تشكيلة الوزارة الحاليه أو أي وزارة على مدى التاريخ لتجد إنو إبن الوزير وزير، وإنو إبن فلان ماسك هذه الشغله أو هذا المنصب.فلنكن واقعيين ونسمي الأشياء بمسمياتها: الحكومه نفسها(على الأقل المواقع العليا فيها) هي أكبر مؤسسات النخب إلي تحدثت عنها. ولا تنسى إنو حالياً هاي السياسه هي سياسة دوله(بمعناها المتعارف عليه محلياً)، من الأمثله: الهيئات إلي معبيه البلد، كنجز أكاديمي، اليوبيل،إلخ...