صحيح أنني كتبت مقالين سياسيين بعد أن أعلنت توبتي عن الكتابة السياسية، ولكن هذا لا يعني أنني تراجعت. كل ما هنالك أنني أقوم بتفريغ كل ما تبقى من بوح سياسي لا بد من قوله، وربما كانت هناك بعض المقالات السياسية الأخرى التي تتلو هذه ولكن قراري بالتوقف عن الكتابة السياسية لم ينته، بل بات أكثر رسوخا مع كل حماقة إرتكبها في الصباح في قراءة بعض المقالات ومتابعة بعض التغطيات السياسية في الصحافة الأردنية، المطبوعة منها والإلكترونية. قبل أيام مرت الذكرى التاسعة والثلاثين لليوم الذي ولدت فيه في الثلاثين من حزيران 1969 وبالتالي بدأت بالخطوة الأخيرة نحو بلوغ الأربعين وهي السن التي يقوم فيها المرء عادة بتقييم ما أنجز في حياته. في حالتي أنا لا يوجد الكثير مما أندم عليه أو أحس بإحباط بشأنه. ولدت لأبوين عظيمين بذلا كل جهد في تعليمي سواء في المدرسة أو الجامعة أو في ترسيخ القناعة بأن النزاهة والصدق جزء أساسي من الحياة وقد رأيت ذلك لا نظريا بل بتطبيق عملي من والدي. حصلت على فرص ممتازة في التعليم سببها الأساسي حرص الوالدين على منح ابنائهما كل فرص التعليم المتاحة بالجهد الشريف، وأرجو أن لا أكون قد خيبت آمالهما فقد بذلت جهدا في التعليم وحصلت على شهادة عليا وحاولت دائما التأكد من أن كل شئ اقوم به في الحياة وفي المهنة لا يتخلى أبدا عن قيمة الصدق والنزاهة. لدي عائلة صغيرة من زوجة محبة وطفلة رائعة وننتظر زيادة الأسرة في المستقبل القريب إن شاء الله. لدي دخل مادي مقنع يحعلني قادرا على توفير احتياجات الصحة والتعليم والغذاء والسكن والنقل ونسبة لا يستهان به من خيارات الترفيه، وأنام في الليل مطمئنا بعد حوالي 12 ساعة من العمل وكل طموحي هو في إستمرار قدرتي على العمل مستقبلا. لا أملك الأراضي ولا العقارات وقرار بتغيير سيارتي التويوتا ذات ال 1300 سي سي إلى سيارة مازدا 3 ذات ال 1600 سي سي يعني دينا للبنك لمدة ثلاث سنوات ولكن المهم أن الحياة ولله الحمد مستقرة. في عيد ميلادي التاسع والثلاثين شعرت للمرة الأولى بأنني لم أحقق تقدما مهنيا بالقدر الذي أتمناه. البعض من زملائي في الدراسة والمهنة حققوا تقدما أفضل، والبعض الآخر يعانون من ضغوطات شديدة ولم يحققوا مرادهم وشخصياتهم المهنية. خسرت فرصا مهمة في حياتي المهنية بسبب نقص المتابعة وعدم التركيز أحيانا والظلم الفادح في أحيان أخرى. خسرت فرصة للحصول على بعثة لشهادة الدكتوراة بسبب واسطات في الجامعة الهاشمية وخسرت فرصة تثبيت في مؤسسة مهمة لأنني لم أحاول "تزبيط" علاقتي بالمسؤول ولكنني في المقابل حققت اشياء ممتازة أفخر بها واصبحت إسما يحظى بالاحترام في مجتمع "البيئة" في الأردن والعالم العربي وعملت في إستشارات ومشاريع وبرامج هامة مع معظم مؤسسات الأمم المتحدة. ولكن كان يمكن تحقيق ما هو أكثر في مجال مهنتي الأكاديمية في البيئة لو أنني لم أضع جانبا نسبة كبيرة من وقتي طوال عشرين سنة للعمل الإعلامي والسياسي. منذ العام 1989 تقريبا وأنا أشارك بنشاط في ساحة الإعلام والسياسة آملا في أن نصل يوما ما إلى حالة من الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة في الأردن شبيهة بالدول المتحضرة ولكن بعد 20 سنة لا زلت أشعر بأن الهدف الآن أبعد عما كان عليه في العام 1989. الآن زادت مشاعر التعصب الإقليمي والعدوانية السياسية والفساد الاقتصادي والإداري والإعلامي وانتهاك حقوق الإنسان وسيادة قانون العشيرة على القانون المدني وزيادة أسلوب الفهلوة في كل نواحي الحياة وغياب قيم كثيرة ايجابية كنا نسعى لها. ربما كان جيلي جزءا من الاسباب المؤسفة لخسارة هذه القيم ولكن من الواضح أنني لم أعد أملك لا الطاقة ولا الرغبة في متابعة هذه المسيرة. أريد وقتا أكثر لعائلتي ومهنتي التي أملك الآن فرصة أخيرة لمدة 5 سنوات حتى أنقذها من التآكل وأريد وقتا أكثر للاستمتاع بمنتجات المعرفة والثقافة مثل الموسيقى والأفلام والكتب والمسرح وغيرها من العناصر التي تدخل قيمة إضافية إلى الحياة.
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
من الأردن

كل عام وأنت بخير يا باتر
قليل من الناس من تتوافق أفكاره المعلنة مع ممارساته وسلوكه.
انت من هؤلاء القلة وانا في العادة متحفظ في التعبير عن مشاعري تجاه الاصدقاء. اعتز جدا بصداقتك فالاصدقاء الحقيقيون ايضا قلة متمنيا لك دوام السعادة سواء اخترت ترك الحديث في السياسة ام اخترت البقاء. بانتظار اول يوم مشمس: اقبل تحياتي
من الولايات المتحدة

كل سنه و انت سالم و عقبال ال 100 سنه, و لو اني بظن انه 100 كتير على الواحد يعيشهم, المهم شو بيقدم الأنسان لعائلته و مجتمعه أكتر من ما بيقدم لنفسه.. تمنياتي لك بالعمر المديد و المزيد من النجاح و السعاده.
من الولايات المتحدة

كل عام وانت بألف خير استاذنا
يقولون في الغرب الأربعين هي الثلاثين الجديدة.. فأنت ما شاءالله بصحة جيدة و الحياة مفتوحة امامك على مصراعيها و كل الخير و التقدم امامك
بالتوفيق انشاءالله
من الأردن

(حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال ربي أوزعني أن اشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وان اعمل
صالحا ترضاه وأصلح لي في ذريتي إني تبت إليك وإني من المسلمين)صدق الله العظيم
الاستاذ باتر,
أسأل الله ان يتم عليك نعمته وان يبارك لك في ذريتك وان يديم عليك موفور الصحة والعافية.
مرحبا باتر
التدوينة هذه جميلة، شأن معظم تدويناتك. أؤيّدك تماماً في ترك الكتابة في السياسة؛ فلكي نكتب في "السياسة"، ينبغي أنْ يكون هناك سياسة. وشخصياً، لا أعتقد أنّ ما لدينا يرتقي إلى مصفّ السياسة.
أنا أيضاً قد أتّخذ قراراً بالتوقّف عن الكتابة في السياسة، وأنا أصلاً لم أكن أكتب في السياسة، إنّما كنت أحاول، قدر استطاعتي، قراءة ما وراء السياسة ومحاولة تأويل الأحداث والحدس في رموزها ومسوخها. ولكنْ أخشى أنّ لا فكاك مِنَ السياسة، حتّى لو كانت هذه السياسة (...) مثل ما هو جارٍ بالأردن.
أتمنى لك التوفيق والنجاح، وأثني على تعليق صديقي الجديد سامر خير، فأنا مثله أعتزّ بصداقتك وصداقته.
من لإمارات العربية المتحدة

1) لعل أشد ما يزعج...أننا بالفعل أبعد الآن مما كنا عليه قبل 20 عاما من الديمقراطية والإصلاحية...وإن كنت أرى أن هناك بعض الإيجابيات، فرغم العقليات الاتهامية التخوينية التصنيفية إلا أن هناك أصوات أعلى تجرؤ على الانتقاد ...ولم نعد نسلم بكل ما يقال من السلطات أو باسم الدين والمجتمع والعادات والتقاليد...
قرأت في سوق شعبي في كيمبردج لوحة تقول
(إذا كانت الحياة تبدأ في سن الأربعين...فما الذي كنت أفعله بحق الله في السنوات الـ39 الماضية).
من الأردن

صديقي باتر
العمر كله انشالله
اتمنى لك مزيد من التقدم
محمد عمر
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية

















من الأردن
الاستاذ باتر
نعم ان السياسه وجع راس الا انني اعتقد ان من شرب من مائها لايمكن ان يتركه او بالاحرى ان السياسه هم يلازم الانسان منذ نعومة اظفاره وتبقى معه الا ان يموت وكثير ممن قالوا انهم تركوا السياسه او هجروا الكتابه في السياسه عادوا الى الحبيب الاول الذي هو وجع راس الا انه وجع راس لذيذ في بعض المرات ان لم يكن ضروري لبعض الناس كما الماء
وانت من كتاب السياسه العريقين الذين لايشق لهم غبار في هذا المضمار
انت تكتب في السياسه وفي الفكر السياسي وهذا مايمزك عمن يتكلمون سياسه لكن لاينتجون فكرا سياسيا مثلك
واتمنى ان تعود عن قرارك هذا والعوده الى الحضن الدافيء الذي ان ترآى لصحابه انه خذله مرتا الا انه سرعان مايعود ويطرد افكار الجفاء والعوده باذن الله الى الكتابه
دمت ودامت كتاباتك عامرة