مرصد الأردن
مدونة إخبارية وتحليلية حول التنمية والإصلاح في الأردن من وجهة نظر ديمقراطية اجتماعية

الرياضة والحضارة والفخر الوطني

بعيدا عن أجواء مشاكلنا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، إندمج الكثير من الأردنيين والعرب في متابعة أجواء بطولة أمم أوروبا لكرة القدم كما هي الحال مع كل البطولات الكروية الدولية التي تتكرر في الصيف. بغض النظر عما يقوله من نصبوا أنفسهم "حراس القيم والأخلاق" في مجتمعنا فإن متابعة كرة القدم ليست ترفا وليست إنجرارا وراء موجة العولمة والغزو الثقافي. يتابع الأردنيون والعرب كرة القدم منذ عقود وكذلك كل العالم لأن هذه اللعبة باتت واحدة من الوسائل المناسبة للتسلية والترفيه بل حتى التجمعات العامة، ونذكر تماما أن كاس العالم 2006 كانت حاضرة بقوة في كل المجتمعات العربية وحتى في غزة المحاصرة وكان بعض نواب حماس يتابعون المباريات بشغف.

في البطولة الحالية للأمم الأوروبية الكثير من المشاهد التي تستحق التعليق ولكن أهمها أن البطولة عكست مرة أخرى مدى النجاح الأوروبي في الإندماج والوحدة بحيث تحولت المباريات إلى مهرجانات من الفرح والسعادة وغابت الصراعات والمشاكل بين الجماهير واللاعبين وكان هناك التزام عال جدا بأخلاقيات اللعبة. وبالرغم من الأخطاء المؤثرة للكثير من الحكام والتقلبات الدرامية في الأحداث والتي يمكن أن تجعل أي لاعب أو مشجع يفقد أعصابه فإن الروح الرياضية بقيت سائدة. ومن أجمل المشاهد التي نراها في المباريات هي المصافحة والإبتسامة والاحترام الذي يسود اللاعبين المتنافسين بعد نهاية المباراة وهم الذين تصارعوا بشدة أثناءها ولكن كل ذلك ضمن أطار من احترام الآخر. أن الدراما التي شهدتها مثلا مباراة كرواتيا وتركيا والتي تجلت في إنتزاع تركيا هدف التعادل من الفريق الكرواتي في آخر تسديدة من المباراة وبعد ذلك الفوز في الضربات الترجيحية كانت أكبر من قدرة الكثيرين على الاحتمال ومع ذلك تقبل اللاعبون والجماهير الكرواتية ما حدث ولم تكن هناك مشاكل بين الجمهور التركي والكرواتي بالرغم من وجود حساسيات دينية وعرقية تعود إلى أيام التواجد العثماني في البلقان.

منتخبات ألمانيا والنمسا وكرواتيا وبولندا لعبت معا بكل روح رياضية بعد عقود ليست طويلة من مذابح عرقية وسياسية شهدتها صراعات هذه الدول مع بعضها في الحرب العالمية الثانية، ولعبت ألمانيا مع تركيا في مباراة مشحونة ومجنونة التقلبات والأحداث خاصة بعد أن اخترق الأتراك بشجاعتهم وكفاحهم وسيطرتهم على الفريق الألماني نادي النخبة الأوروبي الكروي قبل اختراق الاتحاد الأوروبي الاقتصادي والسياسي.

الفريق الروسي بأدائه المذهل صنع مجدا جديدا للدولة التي تجاهد للعودة إلى صدارة القرار الأوروبي والعالمي وفخر الجماهير الروسية بلاعبيها الذين تلاعبوا بأغلى اللاعبين الأوروبيين كان كبيرا جدا وكذلك الحال بالنسبة لفخر الجماهير التركية بمنتخبها الذي يمثل هوية سياسية وثقافية خاصة لدولة تحقق نموا ونهضة تثير الإعجاب في كل الميادين.

حتى الخاسرون في البطولة فتحوا الملفات بكل صراحة. الطليان إستاؤوا من سيادة العقلية الدفاعية لفريقهم والتي جعلته أكثر الفرق مللا كما أن الفرنسيين شعروا بأن منتخبهم اصبح بمثابة "أرملة" بعد اعتزال زين الدين زيدان ولا يزال يبحث عن هوية. أما البرتغاليين فقد غضبوا من غياب تركيز لاعبهم الموهوب كريستيانو رونالدو والذي تقدر قيمته بحوالي 120 مليون يورو حيث كان مهتما بالإنتقال إلى ناد جديد أكثر من تركيزه على دعم منتخب بلاده بأداء فعال.

نشاهد هذه المباريات ونتحسر على حال منتخبنا التائه بين تنافس الأندية وضعف الجهاز التدريبي وعلى حال الكرة العربية والتي شهدت فوز فريق من اللاعبين المجنسين من إفريقيا وأميركا اللاتينية يلعبون بإسم قطر على المنتخب العراقي الذي أحبط جماهيره المتعطشة لأية مساحة من الفرح، وعلى حال منتخبات مصر والمغرب وتونس والتي خسرت من مالاوي ورواندا وبوركينا فاسو في تصفيات إفريقيا لكأس العالم.
يتقدم العالم في مجالات الرياضة والحضارة ونحن نتراجع ولا نزال نخوض حروب داحس والغبراء سواء داخل الدولة الواحدة بين الأندية أو بين الدول المختلفة. اللاعبون المحترفون يتصافحون باحترام وتقدير بعد ربع نهائي كاس الأمم الأوروبية ولاعبينا يتعاركون بعد مباراة في درع الاتحاد الأردني أو في دوري الدرجة الثانية وهذا هو الفارق بين الرياضة التي تثير الفخر والرياضة التي تثير العار.

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(2) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 27 يونيو, 2008 10:22 م , من قبل letstalk
من الأردن

أحسنت فارق كبير طبعاً
ولكن النهوض في كرة القدم لا يكون إلا جزءاً من نهوض شامل للدولة أو للأمة في كافة المجالات. لهذا من الطبيعي أن يكون هذا حالنا في كرة القدم، لأنه حالنا في الأمور الأخرى أيضاً.


اضيف في 16 يناير, 2009 06:19 م , من قبل ahmad
من الأردن

www.fursanjo.com/vb

www.fursanjo.net




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني