خيبة أمل حقيقية يشعر بها كل المؤمنين بالنهج الإصلاحي السياسي في الأردن بعد إقرار مجلس النواب لقانون الاجتماعات العامة كما ورد من الحكومة وبدون تعديلات جوهرية، وهم ينتظرون ضربة أخرى بإقرار قانون الجمعيات الذي سيزيد من التضييق على مؤسسات المجتمع المدني. حتى لا نتحدث عن "الفيل" الموجود في الغرفة المظلمة فمن المهم أن نقول أن المؤمنين بالنهج الإصلاحي السياسي ومنهم كاتب هذه السطور يفهمون الإصلاح السياسي بأنه الانتقال التشريعي المنهجي إلى دولة الحداثة والحريات العامة والمجتمع المدني والمساواة وقيم المواطنة والعدالة الاجتماعية. أن الإصلاح هو بكل بساطة احترام حقوق الإنسان، وكل مفاهيم الإصلاح يمكن أن نربطها بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان والذي لا زال وثيقة غير قادرة على اختراق الوطن العربي سواء من خلال النظام الرسمي أو من خلال تيارات المعارضة السياسية والثقافية والتي أظهرت عداء واضحا لحقوق الإنسان باستثناء حقها نفسها في التعبير عن الرأي وحجبه عن الآخرين. وفي هذا الصدد فنحن كمؤمنين بالإصلاح في الأردن لسنا مغرمين حقيقة بالخطاب الرسمي الذي يدعي التوجه نحو ما يسمى "التنمية السياسية" بينما يتم إعداد وإقرار قوانين تنقض على كل عناصر الإصلاح السياسي. وقد شهدنا في السنوات الماضية حزمة من التشريعات التي زادت من صعوبة ممارسة الحياة الديمقراطية في الأردن بدلا من تسهيلها ولعل أحد أهم تلك القوانين هو قانون الاجتماعات العامة. هذا القانون أعدته اولا حكومة علي أبو الراغب عام 2003 من ضمن قائمة من 200 قانون مؤقت لم تمر عبر البرلمان وكانت معظمها تتميز بخاصية الإنفتاح على القطاع الخاص وتمكينه، والإنغلاق أمام المجتمع المدني والإعلام وتكميمه. هذا النمط من القوانين إستمر في كل الحكومات اللاحقة وزاد تضاربا من خلال إتخاذ قرارات وسياسات اقتصادية ليبرالية غائبة تماما عن الشفافية والمساءلة وبعيدا عن مجلس النواب مقابل طرح قوانين بعيدة عن روح الليبرالية السياسية وإيصالها إلى مجلس النواب حتى يتم إقرارها بنفس الروح المحافظة الخالية من الإصلاح. غريب أمر هذه الإزدواجية. ليبرالية اقتصادية مطلقة ساهمت في تخصيص كل موارد البلد ومؤسساته الإنتاجية وأراضيه وخلقت طبقة من الشبكات الاقتصادية النخبوية التي تتحكم بالقرار الاقتصادي مقابل إصرار هائل على تغييب الليبرالية السياسية تماما من خلال تشريعات منافية لكل اصول الإصلاح يتم إعطاء مجلس النواب دورا في إقرارها. مسيرة الإصلاح السياسي في الأردن شبهها البعض بنموذج السيارة التي تعطي ضوءا إلى اليسار وتتحرك إلى اليمين، ولكن التعبير الأقرب أنها مركبة متألقة من الخارج تسير بينما سائقها يبقي "الهاندبريك" مرفوعا لتبقى الفرامل قادرة على تعطيل الحركة من الداخل. إن الإصلاح السياسي مولود يتيم في الأردن لا اب له ليربيه ويحرص على نمائه وتطوره. الحكومة غير معنية بالإصلاح السياسي الذي يسحب منها بعض الصلاحيات، وشبكة رجال الأعمال من القطاع الخاص والبيروقراطية السياسية المتحكمة بالاقتصاد الليبرالي لا يعنيها اي توجه نحو المساءلة والشفافية، ومجلس النواب الذي يمثل قاعدة المحافظين في الأردن يحمل نظرة سلبية تجاه كل قيم الإصلاح السياسي والاحزاب والنقابات وخاصة المؤدلجة منها تبقى في سرها مؤمنة بسيادة منطقها الواحد الأوحد ولا تعتبر الإصلاح إلا وسيلة للحصول على المزيد من التمكين لخطها السياسي والتنظيمي ولكن مع عدم الإيمان بحق الآخرين. في كل الدول التي خطت نحو الإصلاح المنهجي هناك دائما قاعدة اجتماعية وسياسية وتنموية تمثل ذراعا للإصلاح وفي الأردن يبدو المجتمع المدني بمنظماته غير الحكومية والإعلامية هو السياق الأمثل لهذا التحول ولكنه أيضا يعاني من مشاكل عديدة. المجتمع المدني الأردني مفكك وغير محترف في عمله ويبحث عن المكسب الآني في المشاريع والبرامج والدعم المالي ويعاني من التنافس بين أعضائه. ومع كل هذا الضعف الذاتي تأتي قوانين مثل الاجتماعات العامة لتحرم المجتمع المدني من القدرة على الحراك السهل في الشارع الأردني. أن قانون الاجتماعات يمنع المؤسسات المدنية من تنظيم ندوات ومؤتمرات تناقش القضايا العامة باستثناء "المؤسسات الإعلامية الرسمية" واجتماعات اللجان العامة وكذلك اجتماعات الأحزاب وهكذا فإن مجرد حوار في غرفة مغلقة تنظمه مؤسسة مستقلة معنية بالإعلام وحقوق الإنسان تخضع لموافقة المحافظ، وفي معظم الحالات عدم موافقته. حالة اليتم التي يعاني منها الإصلاح السياسي تجعله غير قادر على النمو الطبيعي والحصول على مكانه المفترض في الحياة العامة، ولكن المشكلة الحقيقية هي في قيام بعض الخطابات الرسمية باختطاف مصطلحات وقيم الإصلاح السياسي ومحاولة ترويج ما يحدث من تعديلات شكلية على التشريعات بأنها خطوات نحو الإصلاح السياسي كوسيلة للعلاقات العامة الدولية. يجب أن نقول بأن هذا ليس صحيحا. قانون اجتماعات عامة كالذي تم إقراره وبكل اسف من مجلس النواب يناقض كل قيم الإصلاح وحقوق الإنسان في العالم. من الممكن أن نهذر حول ما يسمى "الخصوصية الأردنية" والإصلاح من الداخل ونستغل عواطف الناس في رفض الإصلاح على "الطريقة الغربية". ولكن المنطق الذي يقبل ويرحب بكل شئ على الطريقة الغربية، ويرتدي ويركب ويستخدم أحدث الموديلات من المنتجات الغربية ثم يقف سدا منيعا أمام قيم حقوق الإنسان والمواطنة والعدالة والحرية والمساواة والمجتمع المدني باعتبارها "منتجات غربية" هو منطق منافق ولا يستقيم مع حقيقة وجود معايير واضحة وجلية للإصلاح السياسي يمكن أن تطبق في كل أنحاء العالم وبدون مشاكل ولا تضارب مع الهويات الثقافية. الإصلاح الأردني اليتيم سيبقى يعاني من دون إرادة سياسية مجتمعية حقيقية للإصلاح، وربما يكون الحل الأفضل هو التوقف عن تقديم الصورة الوهمية حول الإصلاح في الأردن والإكتفاء بحقيقة أننا دولة لا زالت غير جادة في الإنتقال نحو قيم الدولة المدنية الحديثة. في هذا النمط سنتوقف على الأقل عن خداع الذات والآخرين وفي ذلك فضيلة الصراحة والصدق والشفافية والتي هي من قيم الإصلاح.
الثلاثاء, 24 يونيو, 2008
| خبّر عن هذا المقال: | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() | ![]() |
أضف تعليقا
أضف تعليقا
<<الصفحة الرئيسية












