مرصد الأردن
هنا أكتب ما أريد، بعيدا عن قيود الإعلام التقليدي

نقد السياسات العامة بين الحرص الوطني وطغيان المواقف السياسية

معارضة السياسات العامة هي عنصر أساسي من عناصر الدول الديمقراطية التي تحترم الآراء المختلفة وتسمح بجو من النقد والحوار للقرارات التي تتخذها الحكومات والدول في محاولة للوصول إلى القرار الأفضل والتوجه الأمثل مع التأكيد على وجود مرجعية اساسية في المعارضة هي ضمان ما هو أفضل للمواطن.

في الأردن يختلط الحابل بالنابل أحيانا وتصبح معارضة السياسات العامة مبنية على أبعاد إيديولوجية نظرية، وتختلط الأسباب ما بين حرص حقيقي على مصلحة البلد والمواطنين وما بين تصفية حسابات وطروحات سياسية تطغى على المصلحة العامة. بعيدا عن التنظير أود في هذه المقالة مناقشة أربع حالات من نقد السياسات العامة والفوارق بين هذه الحالات مع تثبيت مرجعية واحدة هي مصلحة التنمية والمواطن الأردني، وهي مشروع "سكن كريم لعيش كريم" ومشروع البرنامج النووي الأردني وقناة البحرين وأخيرا مهرجان الأردن.

مشروع "سكن كريم لعيش كريم" هو أهم مشروع وطني في السنوات الخمس الأخيرة لأنه يعالج مباشرة مشكلة السكن لدى نسبة كبيرة من المواطنين الأردنيين ويقدم خدمة مهمة لمواجهة الآثار المتوقعة لقانون المالكين والمستأجرين. وبالإضافة إلى ذلك فإن هذا المشروع مرتبط برؤية جلالة الملك التنموية مما يعني أنه مؤشر رئيسي على نجاح هذه الرؤية وليس مجرد مشروع من مشاريع الحكومة المستندة إلى قروض ومنح خارجية تكون عادة بعيدة عن المساءلة. لهذه الأسباب مجتمعة من الضروري الألتزام بكل قيم الشفافية والدقة والإتقان والوضوح في تنفيذ المشروع لكي يحقق النجاح التام المطلوب.

قيام بعض شركات المقاولات بالبدء بالعمل في البنية التحتية في بعض المواقع قبل إحالة العطاء يعتبر تصرفا غير مسؤول ومن غير الممكن القبول به في مثل هذا المشروع. ليس من مصلحة أحد وضع علامة إستفهام على مصداقية آلية العطاءات منذ الخطوة الأولى لان ذلك قد يؤدي إلى سوء فهم لكل الخطوات اللاحقة والمسؤولية الكبيرة تقع على عاتق المنفذين لهذا المشروع في ضمان مصداقيته بل لا بد من القول أن المستقبل المهني والسياسي لكل من له علاقة باتخاذ القرارات في هذا المشروع يجب أن يكون مرتبطا بمدى المصداقية والشفافية والإتقان في العمل. من هذا المنطلق فإن نقد تفاصيل تنفيذ هذا المشروع ومراقبته هو واجب وطني على الإعلام وعلى كل المؤسسات والأفراد القيام به لضمان تقديم الخدمة الحقيقية للمواطنين المستفيدين من المشروع.

البرنامج النووي الأردني خيار مهم جدا في مجال تأمين مصادر الطاقة البديلة لمواجهة إرتفاع أسعار النفط. وبالرغم من أهمية المشروع فإن هناك بعض الملاحظات المهمة التي لا بد من التعامل معها بجدية وأخطرها ضمان طريقة إدارة المرافق النووية التي سيتم إقامتها وتفاصيل الإتفاقية مع فرنسا في مجال إستثمار البروانيوم الأردني وكذلك مدى الفائدة التي سيحصل عليها الأردن من التكنولوجيا الفرنسية وهل سيتم "توطينها" في الأردن أم مجرد "نقلها" مع الإحتفاظ بأسرارها عند الجانب الفرنسي، وأخيرا فإن القضية الثالثة المهمة هي كيفية إدارة ومعالجة المخلفات المشعة الناجمة عن البرنامج النووي.

النقد الذي يوجه للبرنامج من قبل بعض السياسيين والخبراء العلميين والبيئيين "المسيسين" يبدو في غير محله. البعض يقول أن هذا البرنامج حظي بموافقة أميركية لأنه لا يهدد أمن إسرائيل. هذا صحيح لأن الأردن لم يعلن يوما بأنه يؤيد البرامج النووية العسكرية سواء الإسرائيلية أو غيرها ولم يفكر ببرنامج نووي خاص إلا بعد الإرتفاع الهائل في أسعار النفط. لا يوجد سبب سياسي مبرر لرفض البرنامج النووي الأردني والأسباب البيئية يجب مناقشتها في دراسات تقييم الأثر البيئي وهي كافة قابلة للمعالجة.

حالة قناة البحرين شبيهة ايضا بالبرنامج النووي. بعض "الخبراء" الأردنيين يظهرون في وسائل إعلام عربية ودولية لهجوم على المشروع ووصفه بأنه "مشروع إسرائيلي" وهذا ما يساعد على الكثير من سوء الفهم لدى دول عربية أخرى وخاصة مصر والتي لا زال بعض "خبرائها الإستراتيجيين" يعتقدون بأن مشروعى قناة البحرين سيؤثر على قناة السويس، وهذا لن يحصل إلا في حال بدأت البواخر والسفن بالمرور عبر أنابيب المياه تحت الأرض بين البحر الأحمر والميت. بالنسبة لمووضع التطبيع فمن المؤسف إن الأردن مضطر للتعاون مع إسرائيل في هذا المشروع. بالطبع كنا نتمنى التعاون مع فنزويلا أو بوركينا فاسو مثلا ولكن الوضع الجغرافي والسياسي الحالي يحتم علينا التنسيق مع إسرائيل لأنها هي التي تسيطر على الضفة الثانية من البحر الميت، والهدف الأساسي للمشروع هو تأمين المياه للمواطن الأردني بسبب التراجع المستمر لموارد المياه وحماية أبنائنا من العطش في المستقبل. البعد البيئي في المشروع مهم وخاصة التخوف من تأثيرات اختلاط مياه البحر الأحمر بالبحر الميت وتأثيراتها الجيولوجية والكيميائية ولكن كل ذلك سوف يظهر من خلال دراسة تقييم الأثر البيئي فلا داعي للتسرع.

مهرجان الأردن حالة غريبة من تكرار القرارات غير الحكيمة. الإعلان الأولى عن إلغاء مهرجان جرش فاجأ الناس، ومحاولات التوضيح حول دمج جرش مع الأردن لم تكن مقنعة كثيرا ولكن ما أن بدأت الفكرة تستقر تدريجيا في الأذهان حتى كانت المفاجأة الثانية بإعلان إسم شركة مساهمة في تنظيم المهرجان وهي شركة "بيليسيز" والتي قامت بتنظيم احتفالات إسرائيل بالذكرى الستين للنكبة. هذا الإعلان حطم مصداقية المهرجان لدى الناس وأعطى فرصة للنقابات المهنية والاحزاب لشن حملة سياسية تحمل كل عناصر المكاسب الإيديولوجية والسياسية كما وفر لجبهة العمل الإسلامي مبررا آخر لحملة جديدة ضد المهرجانات الفنية. وما زاد الطين بلة أن نوعية المهرجان ظهر أنها فنية غنائية وموجهة لطبقات ثرية أكثر من كونه مهرجانا ثقافيا متكاملا كما أن الحجم الهائل للإنفاق الإعلاني إستفز الناس ايضا.

البعد السياسي في هذا الموضوع مبالغ به وهو يستخدم لتحقيق مكاسب سياسية للنقابات والأحزاب، لأن هذه الشركة تقوم بتنظيم مؤتمر المنتدى الاقتصادي العالمي في البحر الميت منذ عدة سنوات وواضح أن لها علاقات قوية في الأردن كما أنني واثق أن الشركة ليس لديها مانع في تنظيم احتفالات إيران بالذكرى الثلاثين للثورة الإسلامية العام القادم لو كان ذلك يعني عقدا مغريا في إطار البزنس. ولكن البعد الثقافي للنقد مبرر حقا لأن المهرجان لا يقدم قيمة مضافة عن اية سلسلة من الحفلات للمطربين اصحاب الشعبية ولا يحقق قيمة إضافية للسياحة في الأردن مما يقلل من مبررات استبدال مهرجان جرش العريق الذي راكم هوية ثقافية خاصة بهذا المهرجان. وعلى كل حال فإن قيام النقابات بدعوة "الفنانين" العرب بمقاطعة المهرجان ليس تصرفا متميزا في الحرص الوطني لأنه قد يؤدي إلى نشر سمعة سيئة لكل الفعاليات الثقافية والفنية في الأردن وهذا ما سيكون له تأثير بعيد الامد على فرص الأردن التنافسية في السياحة الفنية. ولكن سيكون من المسلي حقا رؤية النقابات ذات التوجه الإسلامي وهو تدعو الفنانة اللبنانية إليسا إلى مقاطعة المهرجان بحجة التطبيع مع العدو الصهيوني!

في خلاصة الأمر فإن طغيان البعد السياسي في نقد بعض السياسات التنموية والثقافية يساهم أحيانا في إتخاذ قرارات تؤثر على مصالح المواطنين الأساسية ومن الضروري النظر إلى الصورة بشكل أوسع قبل تنظيم مثل هذه الحملات أو استخدام خطاب لا يصل إلى مستوى تشويه مصداقية البلد والإضرار به على المدى البعيد.

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني