مرصد الأردن
هنا أكتب ما أريد، بعيدا عن قيود الإعلام التقليدي

الأردن في مواجهة سياسة ماكين: خط الدفاع الأول هو تقوية ثقة المجتمع بالدولة!

إعلان روبرت كاجان وهو مستشار الشؤون الخارجية للمرشح الجمهوري جون ماكين أن الأردن يمثل حلا مناسبا ليكون وطنا للشعب الفلسطيني بدلا من حل الدولتين إشارة خطر حقيقية تستدعي إنتباها أردنيا من كافة المحاور سواء الدبلوماسية الخارجية والاهم من ذلك السياسة الداخلية.

ما يقوله كاجان ليس حتميا بالطبع، فقد تمكن الأردن وبفضل دبلوماسية ذكية من تجاوز الكثير من محاولات فرض الخيار الأردني، ولكن ما يشكل خطورة في هذه المرة أن بعض الظروف الإقليمية في المنطقة وتغير المعادلات الدولية والتغيرات الداخلية في المزاج العام الأردني بدأت تتكاثف معا لتجعل الاحتمالات أكثر خطورة.

روبرت كاجان هو أحد إثنين كانا مؤسسي مشروع "القرن الأميركي الجديد" الذي يعتبر العلامة الفارقة للمحافظين الجدد عام 1997. المشروع خرج بنظريات سياسية عديدة بدأ تطبيقها بتسارع واضح بعد "فوز" الرئيس جورج بوش بولايته الأولى عام 2000 وتتلخص في قيام الولايات المتحدة بتغيير الأنظمة المعادية لها في الشرق الأوسط بقوة السلاح والتدخل العسكري إضافة إلى عدم إجبار إسرائيل على تنفيذ إنسحابات جغرافية من الضفة الغربية وإيجاد حل يسمح لإسرائيل بمواصلة احتلالها للأراضي الفلسطينية وكان "الخيار الأردني" من ضمن تلك الحلول.

جماعة المحافظين الجدد التي ساهمت في صياغة وثيقة المشروع الأميركي كان منهم دونالد رامسفيلد وبول وولفوفتز ورتشارد بيرل وكلهم تم "إستهلاكهم" إثناء إدارة بوش وبقي روبرت زوليك رئيس البنك الدولي الحالي وروبرت كاجان مستشار مكين، وهو أيضا باحث في مؤسسة كارنيغي ويمكن للباحثين الأردنيين المتعاونين مع المركز المذكور إلقاء المزيد من الضوء على شخصية وأفكار هذا المستشار الذي قد يشكل نسبة كبيرة من رؤية جون مكين للسياسة الدولية في حال إنتخابه.

ما ليس معروفا حتى الآن هو الكيفية التي سوف يتم العمل فيها على تنفيذ رؤية ماكين ومستشاره، وماهية التحالفات التي سوف تتم على المستوى الإقليمي والدولي وما نخشاه أن تكون على المستوى المحلي أيضا من أجل بناء "قاعدة" للترويج لهذه الأفكار إذ من غير المستحيل إيجاد وكلاء محليين لهذا الطرح يمكن أن يتعاملوا معه كما يتعامل اي تاجر مع وكالة سيارات مستوردة.

ما يثير القلق ايضا الوضع الفلسطيني الداخلي. في اليومين الماضيين تذكرنا المناسبة السيئة للإنقسام الفلسطيني الذي ساهم ولأول مرة في تاريخ النضال الوطني الفلسطيني في "تفكيك" الهدف الرئيسي لهذا النضال وهو تحرير الضفة الغربية وغزة سواء بالحرب أو بالسلم ليصبح الخيار الآن هو الإحتفاظ بكل السبل بإمارة حماس في غزة وإدارة فتح في الضفة وكلاهما لا يرقى إلى الدولة الفلسطينية المنشودة. هذه التطورات السلبية في الشأن الفلسطيني تضع مزيدا من الضغط على الأردن مفاده تراجع نسب نجاح الجهد الوطني الفلسطيني لإنشاء دولة متكاملة ومستقلة كما هو الخيار الإستراتيجي الأردني.

الدبلوماسية الأردنية التي عادة ما يقودها القصر تملك خبرة وسجلا عاليا في التعامل مع الطروحات الأميركية الخارجة عن السياق، وبالتالي لا نزال نملك الطمأنينة الكافية في قدرة هذه الدبلوماسية على تجاوز الرؤية المتطرفة لمستشار مكين، خاصة وأن جلالة الملك عبد الله الثاني قد إلتقى مكين في عمان قبل شهرين وهذا يعني بداية مبكرة للعلاقة السياسية المهمة مع المرشح الجمهوري. وبالإضافة إلى ذلك فإن للأردن اصدقاء من الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الكونغرس يمكن أن يساهموا في إبعاد هذه الرؤية من خطط مكين ولكن قدرة اللوبي الإسرائيلي تبقى أكبر وتشكل مصدرا حقيقيا للقلق.

ولكن القلق الحقيقي ليس من كاجان ولا مكين ولا نتنياهو ولا أولمرت ولا إنقسام فتح وحماس، بل هو في موجة الشك والقلق السياسي والاقتصادي والتي تجتاح الأردن حاليا والتي ساهمت في تراجع المعنويات الوطنية والإستقطاب ما بين أوهام وجود تيارين ليبرالي ومحافظ يتنافسان على المكتسبات المتعلقة بإدارة الدولة الأردنية.

خط الدفاع الاساسي عن أمن وإستقرار أية دولة هو الإيمان التام من المواطنين بعدالة السياسات وخاصة الاقتصادية والتنموية المستخدمة في توزيع عوائد الثروة الوطنية على جهود البناء والتنمية وتأمين الحقوق الأساسية للمواطنين واحترام كرامتهم وممارسة الشفافية والمساءلة في كل السياسات العامة. ما حدث في الأشهر القليلة السابقة من أخبار متناقضة حول صفقات وسياسات اقتصادية تحيط بها الكثير من علامات الاستفهام، والتي ترافقت مع التأثيرات الشديدة لحالات إرتفاع اسعار النفط والغذاء والتي يعاني منها الأردن مثل بقية دول العالم النامية جعل المواطن يشعر بشك في نوعية السياسات المطبقة.

بالتأكيد لا نتجاهل وجود حملة مبرمجة من التشكيك والمبالغة في التهويل لإعتبارات سياسية أو إيديولوجية أو حتى "متعلقة بالصالونات والشللية السياسية" ساهمت في زيادة الشك ولكن النسبة الأكبر من القلق الشعبي مبررة لأنها مستندة إلى خوف حقيقي على هوية الدولة الأردنية وثقافتها التاريخية في الحرص على أولويات التنمية أكثر من المكاسب الاقتصادية الشيقة للنخبة المسيطرة على القرار الاقتصادي والمرتبطة بشبكات قوية ومؤثرة من النفوذ الاقتصادي الداخلي والخارجي.

المرحلة القادمة التي قد يدخل فيها الأردن في حال نجح ماكين، أو حتى في حال نجاح أوباما صاحب وعد القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل تتميز بأن الإدارة الأميركية ستكون أكثر تشددا في خيارات إنهاء الملف الفلسطيني وتقديم دعم غير محدود لإسرائيل وهذا ما يتطلب أن يكون الأردن دولة موحدة من الداخل في كافة الجزئيات الصغيرة.

بنفس الوقت الذي نحن بحاجة فيه إلى تقليص حملة التشكيك والاتهامات والتخوين لتصل إلى حدودها الطبيعية في النقد المنهجي للسياسات الخاطئة، فإن الحكومة مطالبة بالعودة إلى دفة القيادة في الولاية العامة وتحمل مسؤولياتها كاملة غير منقوصة وغير مفوضة إلى جهات أخرى سواء كانت إستشارية أجنبية أو من القطاع الخاص المحلي أو من مؤسسات خارجة عن أطر المساءلة التقليدية. المواطن بحاجة إلى رؤية حكومة قوية واثقة بنفسها وقادرة على إتخاذ القرار بدون تسلط ولا بطش ولا قمع والأهم من ذلك أن تضع حقوق المواطن التنموية والإنسانية والسياسية وكرامته ومصلحة البلد في قمة جدول الأولويات وأن يكون المجتمع موحدا في منظومة قيم المواطنة والإيقاف الفوري لكل حالات التصنيف والإستقطاب سواء السياسي أو الثقافي أو الإقليمي منها وهي التي تحدث في البلد شرخا كبيرا لا بد من إغلاقه بسرعة لمواجهة المرحلة القادمة.

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني