مرصد الأردن
متابعة وتحليل لجهود الإصلاح السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي في الأردن

التنمية السياسية في الأردن: مشاريع قوانين تتناقض مع التصريحات الرسمية

يضطر المرء أحيانا إلى التساؤل عن الهدف النهائي من إصدار القوانين في بلد ما، خاصة عندما نرى مشاريع قوانين تتناقض تماما مع كل ما هو معلن من خطط وأهداف من المفترض أن تكون دولة ما قد إتفقت عليها من خلال الأطر التنفيذية والتشريعية والسياسية المختلفة.

أجزم بأن هناك نوعان من العقلية التي تضع القوانين. العقلية الأولى تهدف إلى جعل القوانين أداة لإستمرار الضبط على قوى المجتمع وتزويد السلطة التنفيذية بالقوة الكافية لفرض الرقابة التامة على نشاط المجتمع. ربما تختلف نسبة الضبط بين الدول المختلفة ما بين دول لا تسمح بهامش محدود للحركة وبين دول أخرى تتيح المجال للنشاط الاجتماعي ومصالح القوى والتيارات المستقلة للتعبير عن ذاتها ولكن ضمن أطر لا تتجاوز الرقابة التامة. العقلية الثانية تجعل من القوانين أداة لتنظيم المجتمع وإعطاء المجال للقوى الفاعلة والقطاعات المختلفة في أي مجتمع بالتعبيرعن نفسها بحرية عالية وتمكينها من ممارسة حقها في متابعة مصالحها بما لا يتعارض مع مصلحة المجتمع الكلية. هذه العقلية الثانية عادة ما تسود في الدول الحديثة التي تمارس أنماط الديمقراطية والمشاركة الشعبية الحقيقية حيث يتم تطوير القوانين بمشاركة جميع قوى المجتمع لتعبر عن هذه المصالح، بينما تكون عقلية الوصاية في الدول النامية سببا رئيسيا في سيادة فكر الرقابة والضبط على فكر التنظيم والتمكين.

في الأردن هناك خطاب رسمي يبذل جهدا كبيرا لإظهار فكرة أن الدولة الأردنية قطعت شوطا كبيرا نحو الحداثة والديمقراطية والمشاركة الشعبية ولكن نوعية التشريعات الناظمة للعمل السياسي والاجتماعي والتنموي عادة ما تناقض هذا الطرح وتحعلنا في حيرة تامة ما بين تصديق الخطاب الرسمي وما بين رؤية الواقع التنفيذي الذي يتمثل في التشريعات، وما نراه الآن من مشروعي قانون الاجتماعات العامة والجمعيات الخيرية يشكل نموذجا على هذا التناقض الصارخ.

ما يثير الإستغراب في مشروعي القانونين أن النصوص المعمول بها في السنوات السابقة كانت أفضل وأكثر توجها نحو الحرية والديمقراطية من النصوص الحالية. الأجندة الوطنية والتي يفترض أنها تشكل إطار عمل الحكومة أوضحت بشكل لا يحتمل اي نوع من الشك ضرورة إلغاء الموافقة المسبقة على عقد الاجتماعات مع كفالة السلطة التنفيذية في ضمان الأمن والسكينة في المجتمع.

لا خلاف على ذلك ابدا. من الضروري أن تكون للسلطة التنفيذية القدرة على منع اي تجمع من التحول إلى فوضى تجعل ممتلكات الناس تتعرض للخراب، ولكن وجود مجموعة من الأشخاص يتناقشون في قاعة مغلقة حول قضايا عامة لا يمكن أن يتحول إلى فوضى تؤثر على الأمن والسكينة في المجتمع. المكان المغلق الوحيد الذي حدثت فيه مشادات بالأيدي واللكمات وأحيانا العض والضرب بعلب المياه هو مجلس النواب وغير ذلك فإن آلاف الندوات والمحاضرات والدوائر المستديرة والمربعة والمستطيلة بدأت وإنتهت بهدوء تام وضمن إطار من الحوار وتبادل الآراء. من غير المقبول أن تحتاج منظمة غير حكومية أو منتدى ثقافي أو جامعة إلى موافقة من محافظ العاصمة من أجل عقد ندوة ثقافية وسياسية. كل ما حدث في القانون الجديد تقليل المدة المتاحة للمحافظ للإستجابة إلى الطلب ولكن هذا النص أبقى السلطة النهائية للمحافظ والذي يستطيع بقرار منه أن يمنع 30 شخصا بعضهم من خارج الأردن من الاجتماع لمناقشة قضايا عامة لأن تقييمه الشخصي أعطاه رأيا بوجوب منع هذا الاجتماع.

هذه الصلاحية لا تتناسب ابدا مع مبدأ الثقة والمشاركة العامة ولا مع التنمية السياسية التي صنعت من أجلها وزارة خاصة. الأصل في كل الأمور الإباحة، والحرص على الأمن والسكينة في المجتمع حرص نبيل ولا نعترض عليه ولكن لا توجد اية تجربة سابقة تعطي مبررا لمنع ندوة سياسية بسبب الخوف من إنتهاك الأمن والسكينة.

قانون الجمعيات الخيرية بقي دائما بين أخذ ورد. القانون الحالي والذي يعود إلى العام 1966 مناسب إلى حد كبير للعمل الإجتماعي وساعد كثيرا في إزدهار وتيرة نشاط المجتمع المدني. ويبدو أن زيادة تأثير المجتمع المدني فتح عيون أصحاب الآراء المنغلقة إلى ضرورة ضبط هذه النشاطات في قبضة وزارة التنمية الإجتماعية. أكثر من وزير تنمية سابق حاول صياغة قانون جديد أكثر قمعية من الحالي ومن خلال عقلية تعسفية ولكن لم يكتب لها النجاح لحسن الحظ. وزيرة التنمية الحالية معروفة بمهنيتها وإحترافها العمل التنموي ويحسب لها أنها سحبت مشروع القانون السابق الذي كان بمثابة سيف من الرقابة المبالغ فيها على المجتمع المدني وقدمت قانونا جديدا.

القانون الجديد الذي بدأ نقاشه في البرلمان لا يزال يفتقر إلى العديد من الأسس الديمقراطية التي تسمح بإحداث النقلة النوعية المطلوبة في العمل التنموي. الإصرار على إعطاء وزير التنمية الاجتماعية الحق النهائي في المصادقة على قرارات الجمعيات وهيئاتها الإدارية والعامة هو تسلط بيروقراطي لا مكان له في الإدارة التنموية الحديثة. وكذلك الأمر بالنسبة لإشتراط موافقة الوزارة على مشاريع المنح الخارجية والدولية لأن الأصل في هذا السياق الرقابة الدقيقة على أوجه الصرف المالية وضمان عدم إساءة إستخدام الأموال في الإثراء الشخصي وهي ظاهرة مؤسفة في الكثير من المؤسسات المدنية، ولكن من حق المنظمات المدنية إختيار النشاطات والقضايا التي تريد العمل عليها ولا يفترض أن يكون للحكومة الرأي النهائي في هذه الشؤون لأن المنظمات المدنية هي قطاع مستقل في عمله والمبرر الأهم لوجوده هو مناقشة القضايا التي تتلكأ الحكومات في التعامل معها وخاصة في شؤون حقوق الإنسان والمرأة والديمقراطية.

لا أملك أي تفاؤل في قدرة مجلس النواب على تحسين هذه القوانين بل أجزم أنه سيتم إضافة قيود بيروقراطية وفكرية جديدة عليها وكل مشاعر الإحباط تتحمل مسؤوليتها الجهات التي أعدت هذه القوانين بشكل يتناقض مع الخطاب السياسي الرسمي المعلن.

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني