مرصد الأردن
متابعة وتحليل لجهود الإصلاح السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي في الأردن

الحاجة إلى تيار الديمقراطية الاجتماعية في الأردن

هذا مقال آخر لم ير النور في الصحافة اليومية. رجاء يا أخوان إذا وجد فيكم أحدا ما يستحق المنع في هذا المقال أخبروني وإذا وجدتم أنه سخيف ولا يستحق النشر أخبروني ايضا، فأنا في حاجة ماسة إلى مرجعية!

 

غياب العمل السياسي الشعبي المنظم في الأردن كان أحد الاسباب الرئيسية في إزدياد حدة الجدل الاقتصادي القائم حاليا والذي تحول في بعض تداعياته إلى إستقطاب من التصريحات الفردية المتناقضة وخلافات "بالوكالة" بين التيارات السياسية والاقتصادية المختلفة عبر وسائل الإعلام.

حالة الفوضى في النقاش الاقتصادي والسياسي اصابت المواطنين بكثير من الإرتباك، ولم يعد قارئ الصحف ومتابع التصريحات من المسؤولين قادرا على تمييز التحليل الواقعي من الشائعات ولم يعد باستطاعته ضمان الثقة بأي طرف، وباتت الخطابات المتسرعة والمتطرفة تحقق قبولا شعبيا لأنها تمثل حالة من "فش الغل" بغض النظر عن مدى مصداقيتها.

محاولة الرؤية وسط الغبار المتراكم من التصريحات، يمكن لها أن تعطي إنطباعا بوجود تيار يرفض سياسات التخاصية وبيع الأصول التنموية إما حرصا على مصلحة الدولة والمواطنين أو رغبة في استعادة المكتسبات الاقتصادية والسياسية السابقة ضمن نظام "بيروقراطية الدولة الريعية"، وتيار آخر يؤمن بأن دعم الإستثمار الاجنبي والاقتصاد المفتوح وإنسحاب الدولة هي المبادئء الأطثر نجاحا في الاقتصاد. بين هذين التيارين هناك غياب تام للتيار الاقتصادي الثالث الذي يرتكز في خطابه على التنمية كغاية اساسية من كل النشاط الاقتصادي والسياسي ويحاول طرح بدائل اقتصادية ممكنة بعيدا عن التنظير الإيديولوجي والسياسي.

الحديث المبهم حول "تيار الليبرالية الجديدة" يجعل المواطنين يعتقدون أن هذا الكيان الغريب هو بمثابة كائن خرافي تسبب في التهام مداخيلهم وقدراتهم الشرائية وحقوقهم التنموية ويجعل الإستقطاب حادا في المجتمع الأردني ولكن دون توضيح أو تقييم حقيقي ورقمي للأداء الاقتصادي. الجزء الثاني من المعادلة هو فك الوهم الذي يروج له البعض بأن عودة الدولة إلى السياسة الريعية والنمط الإداري الذي كان منهجيا اثناء العقود الماضية يمكن أن يساهم في تحقيق تنمية مستدامة تستهدف الإنسان الأردني. ان سياسات العقود الماضية راكمت ثروات خيالية لدى بعض رموز البيروقراطية الأردنية في فترات رخاء اقتصادي استثنائية وكان هناك غياب تام للمساءلة والشفافية، ومن الصعب تخيل أن العودة لنظام اقتصادي كهذا في ظروف من شح الموارد يمكن لها أن تحقق نجاحا اقتصاديا ملموسا.

القضية الأساسية هنا أن النقاش الحالي لا يستند إلى "التنافس الحر" بين طروحات تيارات سياسية مختلفة تعتمد على مبادئ وقيم اقتصادية تعتقد أنها الأجدر في التطبيق بقدر ما هي ساحة من المعارك الإعلامية التي لا تفيد المواطن ولا الاقتصاد الأردني في شئ ما. هذه الساحة لا تزال فارغة من الأحزاب والتي نأت بنفسها عن طرح بدائل اقتصادية منطقية وقابلة للتطبيق وإستمرت في الإعتماد على الشعارات القابلة للترويج الشعبي ولكن الخالية من الخيارات العملية.

في هذا الوضع الاقتصادي والسياسي المقفر من الأفكار الإبداعية يحتاج الأردن هذه الأيام إلى ظهور تنظيمات سياسية وفكرية شعبية ذات تماس مباشر مع حاجات المواطنين الاقتصادية والتنموية والسياسية والتعبير عنها بشكل منظم ومن خلال أدوات تأثير سياسية سلمية تتوافق مع الدستور الأردني، ومن أهم التيارات الفكرية التي يحتاج إليها الأردن تيار الديمقراطية الاجتماعية.

تعتبر الديمقراطية الاجتماعية أحد أهم التيارات والأطر الفكرية التي ساهمت في إنشاء دول الرفاه الاجتماعي في أوربا الغربية كما بدأت تنتشر بقوة في أميركا اللاتينية وآسيا وإفريقيا وبعض الدول العربية مثل تونس والمغرب ومصر ولبنان. تيار الديمقراطية الاجتماعية بات يعرف بأنه "التيار الثالث" في السياسة الدولية ما بين تيارات المحافظين والليبراليين الاقتصاديين وهو تيار يجمع ما بين الليبرالية السياسية واليسار الاجتماعي.

حصلت الديمقراطية الاجتماعية على مصداقيتها من خلال مبادئ التنمية الإنسانية ومحاولة تعظيم المكاسب الحاصلة من الليبرالية السياسية وتخفيض الضرر الذي تتسبب به الليبرالية الاقتصادية من خلال دمج مفاهيم "العدالة الاجتماعية" مع الليبرالية السياسية.

 إنها محاولة جريئة اثبتت الكثير من النجاح في تعظيم مصداقية الليبرالية السياسية، واستعادة دور اليسار الديمقراطي في أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية وكبح جماح اللليبرالية الاقتصادية. مشكلة الليبرالية الاقتصادية أنها تريد أيقاف دور الدولة في المجتمع وتحويل الخدمات الصحية والتعليمية والتنموية المختلفة إلى القطاع الخاص ونظام السوق وهذا ما يشكل تناقضا تاما ومباشرا مع الديمقراطية ومع حقوق الإنسان ومع التنمية، ولهذا جاء الفكر الديمقراطي الاجتماعي ليحاول محاربة التغول الاقتصادي الليبرالي.
الديمقراطية الاجتماعية تعتمد على الإصلاح التدريجي للنظام الاقتصادي بإدخال مفاهيم "دولة الرفاة الاجتماعي" والعدالة الاجتماعية ودمجها مع الليبرالية السياسية المعتمدة على الحريات وحقوق الإنسان وتنظيم الحرية الفردية ضمن أطار واضح من المصلحة الجماعية. وتقدم المؤسسة الدولية للإشتراكية تعريفا للديمقراطية الاجتماعية بأنها آلية سياسية تحقق نموذجا مثاليا من "الديمقراطية الليبرالية" يحل المشاكل الموجودة في الرأسمالية غير المقيدة. وتعتمد الديمقراطية الاجتماعية على هذه المجموعة من المبادئ
وهي الحريات العامة والمساواة والعدالة الاجتماعية والتضامن الاجتماعي والديمقراطية وحقوق الإنسان وخاصة في مجال ضمان الحقوق المتساوية لكل المواطنين من مختلف الأصول والأعراق والأفكار السياسية وتمتع المواطنين بحق الاختيار ما بين نظريات وبدائل مختلفة ومتعددة وأخيرا السلام الذي يجب أن يكون مبنيا على نظام سياسي واقتصادي دولي يحترم سيادة الدول والتحرر ومنع التسلح. هذه القيم التي يستند إليها تيار الديمقراطية الاجتماعية لا تقبل المساومة على الإطلاق فلا يمكن ابدا قبول وجود تيار "ديمقراطي اجتماعي" يدعو إلى إختطاف الحقوق الدستورية الاجتماعية من بعض المواطنين أو التحريض على العنف أو التفرقة بين المواطنين في العرق والجنس والدين.

الديمقراطية الاجتماعية هي أحد أهم الأدوات السياسية لضمان العدالة والمساواة وتحقيق التنمية في الأردن ولكن لم يتم العمل حتى الآن على إنشاء مثل هذا التيار أو تنظيم جهود أفراده. في الفترة الأخيرة ظهر تيار يسمى نفسه "اليسار الاجتماعي" ولكن عند مراجعة خطابه السياسي والاقتصادي نجده تيارا أبعد ما يكون عن جوهر اليسار الاجتماعي لأنه يعتمد على إستثارة النعرات الإقليمية وإستبدال الخطاب المنطقي التحليلي بالشائعات غير المستندة إلى الأدلة ويقوم بدعم أكثر الحركات الدينية تطرفا في العالم العربي، ومشكلة هذا التيار ليست فقط خطابه ولكن قيامه بعملية إختطاف لمبادئ اليسار الاجتماعي الإنسانية لتغطية خطاب ضيق الأفق لتضاف هذه الظاهرة إلى عدة حالات من إختطاف لقيم نحترمها جميعا من أجل الترويج لأفكار تنشر العداء والهدم بدلا من البناء والتنمية ولكن المسؤولية في النهاية تقع على عاتق حاملي فكر اليسار الإنساني الحقيقي من أجل إستعادة هذه القيم من خلال إنشاء تيار وتنظيم سياسي ديمقراطي-اجتماعي بالمواصفات الفعلية. 

هذا البلد ومواطنيه جديرون بقيادات سياسية واقتصادية تضع الإنسان الأردني في المقام الأول ولكننا الآن ضائعون بين مجموعة من اصحاب السياسات الاقتصادية المتسرعة المؤمنين بطغيان اقتصاد السوق والراغبين في بيع الاصول التنموية ، ومجموعة من السياسيين اللاهثين وراء العودة إلى السلطة للمزيد من المصالح الخاصة ومجموعة من أصحاب المواقف السياسية والإقليمية المسبقة الذين يريدون تدمير قيم المواطنة، فأين صوت الأردنيين الحقيقيين الباحثين عن نهضة هذا البلد وحماية مستقبله؟

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(4) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 11 يونيو, 2008 10:17 ص , من قبل mohmo60
من الأردن

بعتقد انك لست بحاجة الى مرجعية. فانت تكتب وجهة نظر في النهاية لا احد ملزم بتبنيها انما هي مساهمة في النقاش الدائر وحسب وللقاريء وحده ان يحكم عليها طالما هي صالحة للنشر من كل النواحي الفنية.
باختصار فان من منع المقال من النشر هو انسان مرعوب لا يزال يعتقد اننا نعيش في ظل الاحكام العرفية. او في عصر اذاعة صوت العرب...
اعتقد اخيرا، انك لست بحاجة لتقيمي او تقييم اخرين حول صلاحية النشر فانت بدون مجاملة من بين قلة من كتاب الاعمدة الذين يحترمون عقل القاريء بغض النظر عن الاتفاق او الاختلاف معك في بعض وجهات النظر.
محمد عمر


اضيف في 11 يونيو, 2008 06:12 م , من قبل sham4me

صديقي باتر محمد علي وردم ..

ربما تكون عدداً من الأعداد الممنوعة ..

فالكلمة التي تُصدر صدىً يستمر دويّه في الأذهان ..

تُمّحى معالم حروفها حتى قبل أن تولد ..

فلا تتعجّب ولا تبتئس ...

فالحال واحدة ... والكلمات الملوّنة بالأحمر كثيرة ..

دمتَ مناصراً للحق ... والكلمة ...

صديقتك نوَّارة الجيران ...

نور


اضيف في 12 يونيو, 2008 01:39 ص , من قبل stepone
من الأردن

الاستاذ الكريم

ربما تظن ان الدولة غاب او يغيب عنها هذا النمط من الاحزاب
سيدي اكيد بتعرف
مثلي المشعور بالعين مش بل هين ولا بل جيتس ونشرب ميته بدل مياه الديسي
رب رجل في منصب لا يكتب ولا يغلب ولا من التنمية يقرب هو الاقرب

لن اتحدث اكثر
فعجلة التنمية السياسية تسير ولكنها ما زالت تحتاج الى دعم في الوقود الحيوي لتزداد فعالية وليس اشتعالا عكسيا يرحعنا لعام الف وتسعماية وحطبه

وتشكيل الحزب قد اتعارض معك فيه فهو مشكل في حزب وسطي لن اذكر اسمه ولكن لم تعطى الاحزاب فرصتها ودعمها الحقيقي بعد

ولم يعلن عن مشاريع وافكار مفكريها
بنصف الدعم الاعلامي و الاعلاني في الصحف والاذاعة والتلفاز لمطربي السهرة

دمتم بخير وتحياتي
وتفضل انت واصدقاء مدونتك
وطالع اخر مقالاتي


مدون افكار وتحفيز
تيسيلر نمر


اضيف في 12 يونيو, 2008 01:41 ص , من قبل stepone
من الأردن

تصحيح
تيسير نمر

لا تحرمنا من الرد




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني