مدونة باتر وردم
مساحة للتواصل مع إيقاع الحياة

لا بديل عن المساءلة والشفافية في إدارة السياسات الاقتصادية

اشعر أحيانا ببعض الحرج عند الكتابة والترويج لقيم ومفاهيم من المفترض أن تكون متاصلة في الثقافة الديمقراطية وفي الإدارة الرشيدة للدول، لأن هذه المفاهيم تم إساءة إستخدامها لدرجة الإهتراء من قبل جهات لا تؤمن حقيقة بها أو تروج لها لأهداف تتناقض معها.

لنأخذ مثلا مفهوم "المساءلة" والذي يشكل أهم عنصر في الإدارة الديمقراطية الحديثة للدول مع مفهوم "الشفافية" ونتابع كيف تم إختطاف هذا المفهوم من قبل الخطاب الرسمي أحيانا للترويج لسياسات ديمقراطية لفظية تستهدف الدعاية الموجهة إلى الغرب الأوروبي والأميركي مانح المساعدات الاقتصادية. في كل الخطابات والشعارات التي يتم رفعها من قبل المسؤولين يتم الحديث عن الشفافية والمساءلة، ولكنها مثل الأطباق الطائرة تبقى عصية على الرؤية المثبتة ومع كثرة الإستخدام تتحول إلى نكتة لا يصدقها الناس بل ويرفضون حتى مجرد سماعها ساخرين منها.

ليست السلطة التنفيذية فقط من اضاع مصداقية هذه المفاهيم بل ايضا القوى السياسية الكبرى التي تروج لها فأي أحمق يمكن له أن يصدق اهتمام الإدارة الأميركية بدعم الشفافية والمساءلة في العالم العربي وهي التي لا تسعى إلا إلى مصالحها المباشرة؟ وفي نفس الوقت فإن هناك أحزابا تدعو للمساءلة والشفافية وهي قد تفصل وتطرد اي عضو يقدم رأيا مختلفا عن رأي القيادة المنزهة.

عند مراقبة الجدل السائد في الساحة الإعلامية والسياسية الأردنية حول انتقاد سياسات "الليبرالية الاقتصادية" والخلاف بين تيار المحافظين والليبراليين إن صحت التسمية نكتشف مدى المشكلة التي نعانيها بسبب إفتقاد المساءلة. لدينا في الأردن سياسة اقتصادية معتمدة على توصيات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي منذ العام 1990 ومن نفذ هذه السياسات كانوا رموز البيروقراطية الاردنية التقليدية الذين يتهمون "الليبراليين" حاليا بتدمير الاقتصاد وتفكيك الدولة. هذه السياسات أدت إلى زيادة في البطالة والفقر وتباين كبير في توزيع الدخل من خلال المؤشرات الاقتصادية ولكن غياب المساءلة الإستراتيجية سمح لرموز هذه الحكومات بالعودة مرة أخرى مستغلين هشاشة الذاكرة الأردنية للعب دور البطولة في المشهد المضاد لليبراليين الذي يسود الساحة السياسية.

المساءلة لا تعني قيام نائب باستجواب وزير على خلفية قرار مع أن هذه ممارسة ديمقراطية مهمة ولكنها تعني قدرة النواب والإعلام على مراجعة سياسات الحكومات السابقة والحالية لمعرفة مكامن الخلل التي أدت إلى تراجع الاقتصاد.

نريد أن نعرف أين ومتى لعبت المحسوبية والتضخم في الإنفاق العام والفساد وسوء إدارة المساعدات الأجنبية وعدم إستثمار النفط الرخيص دورا في تراجع الإنتاج الاقتصادي ومن هو المسؤول عن ذلك؟ من يجب أن نحاسب على صفقات غير منطقية لبيع مؤسسات اقتصادية وتنموية ناجحة وبأسعار زهيدة؟ من هو المسؤول عن تشتت السياسات التنموية في المحافظات والتي لم تساهم في معالجة جيوب الفقر؟

لا أحد سيقدم الإجابة بسبب عدم وجود التوثيق والمتابعة. نحن نستسهل الهجوم الشخصي ولكن نجد صعوبة في التقييم الرقمي والعلمي. في كل مشروع مهما كان صغيرا نهج خاص للتقييم والمراقبة ولكن سياسات الحكومات المختلفة منذ عقود لم تخضع لتقييم منطقي.

ذاكرة الأردنيين تحتاج إلى المعلومات والأرقام والحقائق لكي تحدد توقيت الأخطاء والقرارات غير السليمة وكيف تم إتخاذها ولماذا لم تتم محاسبة مرتكبيها خاصة إذا كان البلد لا زال يدفع ثمنها حتى الآن. هذه الثقافة غير موجودة ومن الصعب جدا الحديث عن تحديد المسؤوليات في التراجع الاقتصادي بدون وجود معلومات حول المسارات غير الصحيحة من أجل ضمان عدم تكرارها والأهم من ذلك معرفة المسؤولين عنها ومنعهم من التحول إلى ابطال يستثمرون مشاعر الإحباط للعودة إلى السيطرة على القرار الاقتصادي والسياسي مرة أخرى وممارسة نفس الأخطاء.

ما يحدث الآن من نقاشات تأخذ المنحى الشخصي والمتشنج في نقاش السياسات الوطنية سببه الرئيسي غياب المعلومة الدقيقة التي تحدد أنماط الخلل الاقتصادي وبالتالي غياب المساءلة. تراجع الحكومة عن دورها في الولاية العامة وتحمل المسؤولية عن كافة القرارات الاقتصادية ساعدها على تجنب بعض الإنتقادات الخاصة بالتوجهات الاقتصادية المثيرة للجدل وركز هذه الانتقادات على مؤسسات ومبادرات موازية للحكومة وغير خاضعة لمساءلة برلمانية وإعلامية.

لا يعرف الأردنيون أين الخلل. توجيه اللوم للمؤسسات والمبادرات الموازية هو الأكثر تكرارا وربما تحملت هذه المؤسسات أكثر مما تستحق من النقد لأنها في المقابل قدمت مبادرات تنموية مهمة تجاوزت البيروقراطية الحكومية نحو منجزات سريعة على أرض الواقع. ولكن اللوم في التشكيك لا يقع على المواطن القلق والسياسي الباحث عن فرصة العودة ولا الإعلامي المفتقد للمعلومات بقدر ما هو نتيجة طبيعية لغياب التقييم الحقيقي لمدى نجاح المبادرات الموازية ومدى نجاح الحكومة في تنفيذ واجباتهما والتي تداخلت في كثير من الأحيان.

التحدي الرئيسي في الأردن ليس إيديولوجيا بين المحافظين والليبراليين بل هو تحدي الديمقراطية والتنمية فأي فكر أو تيار أو مبادرة تستطيع المساهمة في حل مشاكل الفقر والبطالة وإدارة الموارد وتحقيق التقدم في مجالات الصحة والتعليم والطاقة والمياه والزراعة يجب أن تلقى كل الترحيب بدلا من إضاعة الوقت والجهد في المناكفات. مثل هذا التوجه يحتاج وبشكل واضح تماما إلى منظومة دقيقة وصارمة من المساءلة والشفافية تتيح الثقة بصحة آليات اتخاذ القرار ومعرفة نتائجها ويحظى الناجح بتقدير لأدائه ويتحمل الفاشل مسؤولية سوء إدارته من خلال حقائق ومعطيات واقعية وليس الآراء المزاجية والمواقف السياسية المسبقة.

 


خبّر عن هذا المقال: KhabberDel.ici.ousDiggRedditY! MyWebGoogle Bookmarks
(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


التعليقات على المقالات في هذه المدونة لا تخضع لرقابة مسبقة من صاحب المدونة، ولكن اية تعليقات تنال من مقام العائلة المالكة في الأردن أو تدعو إلى إقليمية داخل المجتمع الأردني سوف يتم حذفها فورا. حرية التعبير مكتسب مهم وتتطلب المسؤولية والوعي وهذه المدونة ليست مكانا لبث الأحقاد في المجتمع الأردني